المفوضية الأوروبية تتمسك بتمويل خفر السواحل الليبي رغم الانتهاكات
بروكسال - قررت المفوضية الأوروبية رفض دعوات منظمات حقوقية بوقف أو تقليص التمويل الأوروبي المخصص لخفر السواحل الليبي، على الرغم من توثيق حوادث إطلاق نار وانتهاكات خطيرة بحق مهاجرين في عرض البحر، من بينها حادث استهداف سفينة إنسانية نهاية أغسطس/آب الماضي.
وخلال مؤتمر صحفي في بروكسل، الأربعاء، قال المتحدث باسم المفوضية، غيوم ميرسييه، إن "الاستمرار في المشاركة مع السلطات الليبية ضروري لتحسين الوضع في المتوسط"، في إشارة إلى مواصلة بروكسل تمويل وتدريب خفر السواحل الليبي، رغم الضغوط المتزايدة من أكثر من 40 منظمة غير حكومية تطالب بإعادة النظر في هذا التعاون.
وتصاعد الجدل عقب حادثة إطلاق نار استمرت نحو 20 دقيقة، تعرضت خلالها سفينة الإنقاذ الإنسانية "أوشن فايكينغ"، التابعة لمنظمة "إس أو إس ميديتيرانيه" الفرنسية، لإطلاق نار من قبل زورق تابع لخفر السواحل الليبي، في المياه الدولية، بينما كانت السفينة تقل نحو 87 مهاجرًا تم إنقاذهم، بالإضافة إلى ثلاثين فردًا من الطاقم.
ووفق ما أكدته المنظمة، لم تصدر أي تحذيرات قبل إطلاق النار، الذي وقع باستخدام قارب تم تمويله ضمن برنامج التعاون الإيطالي الأوروبي "سيبميل"، ما أثار تساؤلات جدية حول مدى التزام الشركاء الليبيين بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان وقواعد الاشتباك البحري.
وفي رسالة وجهتها إلى مفوض الشؤون الداخلية بالاتحاد الأوروبي، ماغنوس برونر، اعتبرت المنظمات غير الحكومية أن استمرار دعم خفر السواحل الليبي "يعني تمكينًا فعليًا لانتهاكات ممنهجة، شرّعتها بروكسل وروما عبر التمويل والتدريب".
ورغم أن المفوضية تعهدت سابقًا بالتزام سياسة "عدم الإضرار" في جميع برامجها المخصصة لليبيا، فإن المتحدث باسمها تجنّب الرد بشكل مباشر على ما إذا كان منفذو الهجوم على سفينة الإنقاذ قد خضعوا للتدريب الأوروبي، مكتفيًا بالقول "التحقيق في الحادث لا يزال جاريًا، ولا يمكننا في هذه المرحلة تقديم تفاصيل إضافية".
التحقيق في الحادث لا يزال جاريًا
وفي يونيو/تموز الماضي، كانت المفوضية قد أعلنت أنها تواصل تقديم الدعم التقني والتدريبي للسلطات الليبية في مجال البحث والإنقاذ، بهدف تقليل أعداد الوفيات في البحر، وضمان إدارة فعالة للهجرة غير النظامية. إلا أن الواقع الميداني، بحسب تقارير المنظمات، يكشف عن فجوة واضحة بين هذه الأهداف وسلوك الجهات الأمنية الليبية.
وأعادت منظمة إنقاذ إيطالية، منتصف سبتمبر/ايلول الجاري، تسليط الضوء على "ممارسات خطيرة وغير إنسانية" تمارسها جهات أمنية ليبية ضد المهاجرين، بعدما نشرت تسجيلات مصورة توثق قيام عناصر مسلحة برمي عشرة لاجئين في البحر بشكل عنيف، في مشهد صادم رصدته كاميرات طاقم سفينة إنسانية كانت قريبة من الموقع.
ووفق تحقيقات المنظمة، فإن العناصر المتورطة تنتمي إلى كتيبة "العمليات الخاصة 80"، التابعة للواء 111، بقيادة عبدالسلام الزوبي، نائب وزير الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية الليبية المنتهية ولايتها. وقد تم تسليم الأدلة، بما فيها الفيديوهات والوثائق، إلى النيابة العامة في مدينة تراباني الإيطالية، إضافة إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، ضمن ملف قيد التحقيق في جرائم محتملة ضد الإنسانية.
في ظل هذه المعطيات، تواجه المفوضية الأوروبية معادلة معقدة بين ضبط حدود المتوسط والالتزامات الحقوقية. إذ ترى بروكسل في خفر السواحل الليبي شريكًا محوريًا في الحد من تدفق المهاجرين نحو أوروبا، خاصة في ظل تصاعد عمليات التهريب عبر السواحل الليبية، التي تشهد فراغًا أمنيًا واضحًا.
ومع ذلك، يزداد الضغط من الجهات الحقوقية والمجتمع المدني الأوروبي على مؤسسات الاتحاد لربط التمويل والبرامج التدريبية بضمانات حقيقية لحماية المهاجرين واحترام القانون الدولي الإنساني.
ولا تزال المفوضية تصرّ على أن المشاركة الأوروبية تهدف إلى تحسين قدرات السلطات الليبية لاستخدامها بشكل مسؤول، إلا أن حادثة "أوشن فايكينغ" فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول مدى جدوى استمرار هذا التعاون في صورته الحالية، دون آليات رقابة صارمة ومحاسبة علنية للمتورطين في الانتهاكات.