المغرب يتأنى في تحرير سعر الدرهم اتقاءً للمخاطر
الرباط - يزداد الحديث عن تحرير سعر صرف الدرهم المغربي مع اقتراب سنة 2026، بعد مسار طويل بدأ منذ 2018، لكن محافظ البنك المركزي المغربي عبداللطيف الجواهري أكد أن الاقتصاد غير مهيأ لمرحلة تحرير سعر صرف الدرهم، مشيراً إلى ضرورة الحذر في التعامل مع مطالب صندوق النقد الدولي، وأوضح أن الإصلاحات ستستهدف التضخم بحلول 2027، مع استمرار ربط الدرهم بسلة العملات.
وشدد الجواهري خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مساء الثلاثاء بالعاصمة الرباط، بعد الإعلان عن قرار تثبيت سعر الفائدة الرئيسي، على ضرورة التعامل بحذر مع مطالب صندوق النقد الدولي بتليين سعر الصرف.
وتمكن المغرب من الحفاظ على استقرار مالي ونقدي نسبي، رغم أنه مر في ظروف صعبة، واجه فيها الاقتصاد الوطني صدمات متتالية؛ من تداعيات جائحة كورونا، إلى سنوات الجفاف المتعاقب، ثم الاضطراب الكبير في أسعار الطاقة والمواد الأولية. وبرغم كل ذلك، يصل اليوم إلى عتبة التفكير في خطوة أكثر جرأة: التحرير شبه الكامل لسعر صرف الدرهم.
وأوضح الجواهري أن المغرب يتبع مساراً إصلاحياً تدريجياً لنظام سعر الصرف منذ عام 2018، حيث بدأ بتوسيع هامش التقلب إلى 2.5 بالمئة مقارنة بالهامش السابق البالغ 0.3 بالمئة، ثم تم توسيعه إلى 5 بالمئة في مارس/آذار 2020.
إلا أن هذا المسار توقف بسبب الظروف الاستثنائية الناجمة عن الجائحة، رغم الضغوط المستمرة من صندوق النقد الدولي ومؤسسات التصنيف الائتماني.
وأكد محافظ البنك المركزي أن العمل سيستمر وفق النظام الحالي القائم على ربط الدرهم بسلة عملات مكونة من اليورو بنسبة 60 بالمئة والدولار الأميركي بنسبة 40 بالمئة، مع هوامش تقلب تصل إلى 5بالمئة.
ولا يعني التعويم ترك العملة الوطنية تائهة في الأسواق، بل عملية تقنية معقدة ينفذها بنك المغرب بخطوات محسوبة، تحت رقابة صارمة، وبشراكة مع الفاعلين الاقتصاديين. بهدف أن يخضع الدرهم أكثر لقانون العرض والطلب، بحيث يعكس قيمته الحقيقية في السوق.
ورغم أن سوق الصرف بين المصارف يعمل حالياً دون تدخل مباشر من البنك المركزي، إلا أن الجواهري اعتبر أن الاقتصاد المغربي غير جاهز بعد لترك السوق يحدد سعر الصرف بشكل كامل.
وكشف الجواهري عن خطة مدروسة للانتقال إلى سياسة استهداف التضخم بدعم من صندوق النقد الدولي، حيث سيتم خلال عام 2026 اختبار الجاهزية للتطبيق الفعلي الذي سيبدأ في يناير/كانون الثاني 2027.
وأشار إلى أن العمل على هذا التوجه بدأ فعلياً في يوليو/تموز الماضي من خلال إعداد الوسائل والمنهجية والموارد البشرية اللازمة.
وأكد المحافظ أن البنك المركزي يولى أولوية خاصة لحماية الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل أكثر من 90 بالمئة من النسيج الاقتصادي المغربي، محذراً من أن أي قرار متسرع بتحرير سعر الصرف قد ينعكس سلباً على هذه المؤسسات.
ويسعى المغرب من خلال خطة إصلاح الاقتصاد أن يكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية. فبدل أن يظل الدرهم مقيدًا بسعر ثابت ينهك احتياطيات العملة الصعبة كلما ارتفع النفط أو تقلب اليورو والدولار، يصبح أكثر مرونة في التكيف مع التغيرات الدولية، مما يحافظ على احتياطي النقد ويمنح الاقتصاد هوامش أوسع.
وفي حين تزداد مرونة العملة، تزداد قدرة الصادرات المغربية على دخول الأسواق العالمية بأثمان تنافسية. فالمغرب اليوم يصدر السيارات والطاقة المتجددة والأسمدة والمنتجات الفلاحية، ويطمح إلى أن يتحول إلى قطب صناعي إقليمي. ولكي ينجح في ذلك، يحتاج إلى عملة تعكس دينامية اقتصاده، وتساعد على جذب المستثمرين الذين يبحثون عن استقرار القواعد ووضوح قواعد اللعبة.
ومع ذلك، فإن التعويم ليس عملية سهلة. فهو يحمل مخاطر، أهمها احتمال تآكل القدرة الشرائية إذا لم تُضبط العملية بحكمة. وتراجع كبير في قيمة الدرهم يعني ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وهذا ينعكس مباشرة على المواطن. لذلك اختار المغرب طريق التدرج، مانحًا الوقت للشركات، وخاصة الصغرى والمتوسطة، للتأقلم مع واقع جديد، وللمجتمع كي يستعد نفسيًا ومؤسساتيًا لهذه النقلة.