خيارات سياسية بديلة في ليبيا مع إعادة تشكيل إدارة مفوضية الانتخابات
طرابلس - اتفق مجلسا النواب والأعلى للدولة في ليبيا على إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات خلال 10 أيام، في الوقت الذي يتم فيه طرح أسماء بديلة لقيادة حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وأبرزها عبدالكريم مكيغ الذي يحظى بقبول أميركي.
وجاء ذلك خلال اجتماع عقد بمدينة بنغازي شرقي البلاد بين لجنتي المناصب السيادية بالمجلسين، وفق بيان لمجلس النواب نشر عبر موقعه الإلكتروني، وذكر أن "لجنة المناصب السيادية بمجلس النواب عقدت اجتماعا مع لجنة مجلس الدولة السبت بمقر ديوان مجلس النواب في مدينة بنغازي".
وتم خلال الاجتماع "الاتفاق على إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في غضون عشرة أيام من تاريخ هذا الاجتماع"، على "أن يتم النظر في باقي المناصب السيادية خلال اجتماع لاحق للجنتين".
وفي يناير/ كانون الثاني 2021، اجتمعت لجنة مكونة من (13+13) مشكلة من مجلسي النواب والدولة الليبيين في بوزنيقة المغربية لبحث ملف تعيين شخصيات في المناصب السيادية في الدولة.
وذلك ضمن مباحثات كانت تجري بين أطراف النزاع الليبي (ملتقى الحوار السياسي) الذي أنتج السلطات الحالية، وهي حكومة الوحدة الوطنية، والمجلس الرئاسي الحالي برعاية الأمم المتحدة في مدينة جنيف السويسرية.
ومن بين المناصب السيادية التي أجرى أطراف النزاع مباحثات لشغلها هي رئيس المجلس الأعلى للقضاء، والنائب العام الليبي، ورئاسة البنك المركزي، ورئاسة مؤسسة النفط، ورئيس المخابرات العامة، ومجلس إدارة مفوضية الانتخابات العليا.
ومنذ أعوام تقود البعثة الأممية جهودا تهدف لإيصال ليبيا إلى انتخابات تحل أزمة صراع بين حكومتين إحداهما حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تحظى باعتراف دولي، ومقرها العاصمة طرابلس، والتي تدير منها كامل غرب البلاد.
والأخرى عينها مجلس النواب مطلع 2022 ويرأسها حاليا أسامة حماد ومقرها بنغازي (شرق) التي تدير منها كامل شرق البلاد ومعظم مدن الجنوب.
ويأمل الليبيون أن تؤدي الانتخابات التي طال انتظارها إلى وضع حد للصراعات السياسية والمسلحة وإنهاء الفترات الانتقالية المتواصلة منذ الإطاحة بنظام حكم معمر القذافي (1969-2011).
وذكر تقرير لموقع ناشيونال انترست الأميركي أنه بالنسبة للعديد من صانعي السياسات الأميركيين، تبدو ليبيا عصية على الحل، وهي مشكلة من الأفضل تركها للأوروبيين. ومع ذلك، فقد لفت ترشيح عبدالكريم مكيغ لرئاسة الوزراء الانتباه في كل من طرابلس وواشنطن.
وأضاف التقرير صحيح أن صعوده لن يحل أزمات ليبيا العديدة بين عشية وضحاها، إلا أنه يعكس سعيًا للتخلي عن أنماط حكم الميليشيات والتلاعب الأجنبي التي ميّزت حقبة ما بعد 2011.
وبخلاف قادة الميليشيات والزعماء الأقوياء الذين يهيمنون على السياسة الليبية ، يُعدّ مكيغ عالما ذا مكانة دولية مرموقة. اشتهر بدوره في تفكيك برنامج الأسلحة النووية الليبي في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في وقت كان الرئيس السابق معمر القذافي يسعى فيه إلى التقارب مع الغرب. وقد أثمرت هذه العملية لواشنطن قصة نجاح نادرة في مجال حظر الانتشار النووي، ولعب مكيغ دورًا محوريًا في تحقيقها من خلال خبرته الفنية ومهاراته في التفاوض السياسي. ولا تزال المصداقية التي اكتسبها في تلك اللحظة، وخاصةً لدى المسؤولين الأميركيين، رصيدًا قيّمًا وغير عادي.
تشير إشارات مكيغ إلى سعيه لإشراك قائد الجيش المشير خليفة حفتر وأنصاره في إطار مدني إلى إدراك بأن المصالحة، لا الإقصاء، هي السبيل الوحيد المستدام للمضي قدماً. ولا يزال قبول الأطراف المتمرسة لمثل هذا الترتيب غير مؤكد. ولا يزال حفتر يحتفظ بنفوذه، لكن سنه وصحته تثيران تساؤلات حول دوره على المدى الطويل. وفي غضون ذلك قد يقاوم قادة الميليشيات الشباب والجهات الفاعلة الإقليمية أي تسوية تهدد سلطتهم أو مواردهم.
وبحسب الموقع الأميركي فإن ترشيح مكيغ وحده لن يحدث تغييراً جذرياً في ليبيا. فالنظام السياسي مجزّأ، والجهات الخارجية منهمكة بشدة في النتائج المحتملة، وكثيراً ما انهارت محاولات سابقة لتقاسم السلطة تحت وطأة المفسدين. وسيواجه مكيغ عقبات هائلة في بناء ائتلاف حاكم وتأكيد السلطة المدنية وتحقيق تحسينات ملموسة في الحياة اليومية. ودون إحراز تقدم على هذه الجبهات ستتعرض أي شخصية، حتى تلك التي تتمتع بشرعية دولية، لخطر التقويض بفعل نفس حالة عدم الاستقرار التي استنزفت القادة المدنيين السابقين.
وبالنسبة لواشنطن لا يكمن الدرس في المبالغة في الاستثمار في قائد واحد، بل في مواصلة الانخراط في العملية السياسية الليبية بما يدعم بناء المؤسسات والمصالحة.
وللولايات المتحدة مصالح استراتيجية في منع ملاذات المتطرفين واستقرار تدفقات الطاقة وتخفيف ضغوط الهجرة على أوروبا. وتتحقق هذه المصالح على أفضل وجه من خلال تعزيز قيادة مدنية موثوقة وانتخابات حرة ونزيهة والحد من التدخل الأجنبي.
وفي الواقع لن يُعاد بناء ليبيا حول فرد واحد، لكن ظهور عبد الكريم مكيغ يُظهر أن هناك مرشحين موثوقين ذوي علاقات دولية لا يزالون موجودين. وينبغي أن لا يتم اعتبار ترشيحه حلاً سحرياً أو غير ذي صلة. بل إنه يوفر نقطة انطلاق محتملة لتسوية سياسية أوسع نطاقاً، تحتاجها ليبيا بشدة لتجاوز حربها الأهلية الدائرة.