اتهامات بالتخطيط لاغتيال الصدر تفجّر أزمة جديدة في العراق
بغداد -عادت مظاهر التوتر العسكري إلى الواجهة في العراق، مع انتشار عناصر مسلحة في محافظة البصرة على خلفية معطيات عن مكانية اغتيال زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر قبيل أسابيع من إجراء الانتخابات التشريعية. الحادثة تكشف عن هشاشة الاستقرار الأمني المرتبط بتصعيد الخطاب السياسي والتنافس الانتخابي، وتزيد المخاوف من أن تنزلق توترات سياسية إلى مواجهات مسلحة محلية.
وتحركت قوات من "سرايا السلام" - الجناح المسلح التابع للتيار الصدري - في شوارع البصرة بعدما بثّت حلقة لبرنامج تلفزيوني، قدمه الإعلامي علي فاضل، إدعاءات بوجود "محاولة" لاستهداف زعيم التيار باستخدام طائرة مسيّرة، وأن النائب ياسر المالكي يقف وراء هذا المخطط بالتعاون مع قدة من فصائل شيعية مسلحة. الانتشار المسلح استُقبل بقلق شعبي ومحلي، خصوصاً في محافظة تعدّ من مراكز النفوذ الشيعي الجنوبية.
وقد رد النائب المتهم، ياسر المالكي، سريعاً بنفي قاطع للادعاءات، واصفاً ما تناولته الحلقة بأنه "افتراءات وأباطيل" تهدف إلى إشعال الفتنة وعرقلة جهود التقارب الوطني. وجّه المالكي رسالة إلى من أسماهم "الأخوة الصدريين" متسائلاً عن المعقولية في اتهام من تربطهم به علاقات ومشتركات أيديولوجية بارتكاب عملٍ يستهدف شخصية يقاربونها عقائدياً، وأعلن عزمه على اتخاذ إجراءات قانونية ضد من نشروا هذه الاتهامات.
وتأتي هذه الواقعة في وقت حسّاس تشهد فيه البلاد ازدحاماً سياسياً حاداً مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، حيث جعلت الأزمة الداخلية من الساحة العراقية مسرحاً لصراعات حزبية وشخصية قد تتقاطع مع حسابات أمنية. ويبدو أن الاتهامات بشأن مؤامرات اغتيال طالت شخصية بارزة مثل مقتدى الصدر ستزيد من تعقيد المشهد، لا سيما وأن أي تطور أمني يمس رموزاً شعبية قد يغيّر ديناميكيات المشاركة السياسية وموازين القوى.
وسبق لمقتدى الصدر نفسه أن أعلن رفضه المشاركة في الانتخابات، وهو موقف يعكس امتداد قاعدة شعبية واسعة ترفض الانخراط في عملية انتخابية يصفها بأنّها لا تلبي طموحاتها. هذا الرفض يشكل عامل ضغط على المشهد الانتخابي، إذ إن امتناع قطاعات واسعة عن التصويت يفتح المجال أمام قوى سياسية منافسة لإعادة تشكيل النتائج بطريقة لا تعكس بالضرورة تمثيلاً شعبياً واسعاً. وفي هذا السياق، يذهب بعض المراقبين إلى أن اغتيال الصدر 'لو حدث' قد يؤدي على نحوٍ متناقض إلى إنهاء مقاطعة واسعة من قِبل مؤيديه، ويفتح المجال أمام أطراف سياسية لاستغلال تحوّل الحالة العاطفية والسياسية لصالح تحركات انتخابية معينة.
لكن يعتقد كذلك ان اغتيال شخصية بوزن الصدر ستؤدي في الغالب لالغاء أو تأجيل العملية الانتخابية ودخول العراق في دوامة من العنف وعدم الاستقرار تهدد بحرب أهلية.
وفي المقابل تحدى زعيم التيار الصدري هذه المعطيات حيث ادى الاثنين زيارة إلى مرقد والده المرجع الراحل محمد صادق الصدر في مدينة النجف. ونشر مكتبه الإعلامي صوراً توثّق لحظة وصوله إلى المرقد، حيث ظهر وهو يترجل من مركبته محاطًا بعدد من مرافقيه، وسط توافد لافت للمواطنين الذين حرصوا على استقباله وإلقاء التحية عليه.
وحذر محلّلون من أن توظيف القضايا الأمنية لغايات ظرفية قد يشجع على مزيد من العنف ويعقّد جهود تهدئة الأوضاع. فالدافع الانتخابي في الكثير من الأحيان يولّد خطاباً احتقانياً واتهامات متبادلة، وقد يدفع جهات مسلحة إلى التحرك أو الظهور كمقوّم قوة ردعية ضمن معادلات ضغط شتى. وفي المقابل، تؤكد جهات حقوقية ومدنية أن أي تلاعب بقضايا الأمن الوطني أو استغلال أحكام العنف لتصفية حسابات سياسية سيؤدي إلى تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات وبتحكيم القانون.
ويعتقد أن المشهد في البصرة، ليس حادثاً معزولاً، بل مؤشر على هشاشة التوازن بين السياسة والأمن في العراق الراهن. ومع اقتراب يوم الاقتراع، تبدو الحاجة ملحة إلى نزع فتيل التصعيد عبر حوار وطني شامل، وضمان محاسبة قانونية شفافة لأي اتهامات، منعاً لتوظيف الانقسام السياسي كذريعة لتدويل التوترات على الأرض. في غياب ذلك، قد تتسارع وتيرة المواجهات المحلية وتختبر قدرة الدولة على الحفاظ على النظام واستقرار العملية الديمقراطية.