انتخابات العراق لا تشذ عن قاعدة البقاء للأقوى

القانون الانتخابي يرجح كفة القوائم الكبرى، ما يضعف من قدرة القوى السياسية الناشئة والمرشحين المستقلين على تحقيق تمثيل برلماني مؤثر.

بغداد - تستعد الأحزاب والقوى السياسية في العراق لانتخابات برلمانية من المقرر إجراؤها في 11 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، فيما لا تلوح في الأفق مؤشرات على مفاجآت في المشهد السياسي الذي تهيمن عليه القوى الموالية لإيران.

وتتجه الأنظار نحو طبيعة التنافس الذي يتوقع مراقبون أن يواجه خلاله المرشحون المستقلون، صعوبات في مواجهة الأحزاب التقليدية.

وفي ظل ترقب واسع النطاق، تطرح تساؤلات حول قدرة الاستحقاق الانتخابي على إحداث تغيير في المشهد، مع ترجيح متابعين بأن المسار الحالي يعزز من مواقع الأحزاب الكبرى.

وعزا عدة خبراء هذا الترجيح إلى طبيعة النظام الانتخابي الذي أعيد العمل به، وتحديداً صيغة "سانت ليغو" المعدلة، التي تهدف لجعل عملية توزيع المقاعد أكثر عدلاً.

وينظر مختصون إلى أن هذا النظام يرجح كفة القوائم الكبرى، ما يضعف من قدرة القوى السياسية الناشئة والمرشحين المستقلين على تحقيق تمثيل برلماني مؤثر.

ويرى مراقبون أن تجاوز حضور وأدوار الأحزاب التقليدية يظل صعبا، وسط توقعات بأن نتائج الانتخابات قد لا تُفضي إلى فائز بأغلبية واضحة.

وتعني تلك الفرضية أن تشكيل الحكومة المقبلة سيعتمد مرة أخرى على "التوافق" بين الكتل الرئيسية، في مسعى للحفاظ على الاستقرار السياسي وتسيير أمور الدولة.

وقال سربست مصطفى، ناشط مدني وخبير انتخابي عراقي شغل سابقاً منصب رئيس مجلس المفوضين في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بالعراق، للأناضول، إن "الأساس القانوني لهذه الانتخابات هو القانون رقم 12 لسنة 2018، وتم تعديله بموجب القانون رقم 4 لسنة 2023".

وأضاف "وفق هذا القانون تم الرجوع لتطبيق نظام التمثيل النسبي وفق صيغة سانت ليغو المعدلة، واعتبار كل محافظة دائرة انتخابية واحدة".

وأردف "لذلك فإن هذا النظام الانتخابي، صمم لمصلحة الأحزاب الكبيرة المسيطرة على مقاليد الحكم في العراق، وليس في مصلحة الأحزاب الصغيرة والفتية والمستقلين".

ورأى مصطفى، أنه "لا يمكن أن تتكرر نتائج انتخابات مجلس النواب في 2021، لأن النظام الانتخابي الذي طبق حينئذ كان نظام الصوت الواحد غير المتحول الذي كان مساعدا في فوز عدد من المرشحين المستقلين أو غير المتحزبين".

والقانون الانتخابي الذي طبق في انتخابات 2021 كان نظام الصوت الواحد غير المتحول وهو مختلف تماما عن قانون سانت ليغو المعدل الذي طبق في الانتخابات السابقة (2014 و2018) وتم العودة إليه في انتخابات 2023.

ويشارك في الانتخابات المرتقبة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل 31 تحالفا و38 حزبا سياسيا و88 مرشحا ضمن ما يسمى القائمة المنفردة والتي يكون فيها التنافس على المقاعد العامة، وقد صدّق عليهم مجلس المفوضين للانتخابات وأجريت لهم قرعة الأرقام الانتخابية.

وبسؤاله عن إمكانية اللجوء إلى "التوافق" بين التحالفات، بين مصطفى أنه "نظرا لأن التيار الصدري يقاطع العملية الانتخابية والذي يمتلك جمهورا كبيرا وملتزما إلى حد كبير بتوجيهات زعيمه مقتدى الصدر، فإن نتائج أية عملية انتخابية لا تعكس الواقع السياسي في العراق بشكل صحيح مما يؤثر حتما على طبيعة الحكومات المشكلة".

وأضاف "لا أعتقد أن الحكومة العراقية القادمة ستختلف عن سابقاتها، لكن حجم الكتل النيابية خاصة الشيعية قد يطرأ عليها تغيير ببروز قوى من رحم الإطار التنسيقي نفسه"، الذي يضم القوى الموالية لإيران.

وتأسس الإطار التنسيقي بعد الانتخابات التشريعية عام 2021 بهدف مواجهة محاولات التيار الصدري، لتشكيل حكومة "أغلبية وطنية".

وفيما يتعلق بادعاءات احتمال التدخل الخارجي بسير العملية الانتخابية، قال مصطفى إن "القانون الانتخابي يمنع تمويل الحملات الانتخابية من قبل مصادر أجنبية سواء كانت أفرادًا أو هيئات"

واستدرك "لكن في ظل عدم وجود رقابة على مصادر تمويل الأحزاب السياسية وعدم تقديم ديوان الرقابة المالية تقارير سنوية عن الوضع المالي وحركة الأموال للأحزاب السياسية استنادا إلى قانون الأحزاب السياسية فإن كل شيء جائز".

لكنه لفت إلى أن النظام الانتخابي يتوقع أن يساهم في زيادة المشاركة لأنه يقلل من "الأصوات المهدورة"، إضافة إلى قوة التنافس التي قد تحفز الناخبين على المشاركة.

وعن توقعات انخفاض نسبة المشاركة، أرجع مصطفى ذلك إلى عدة أسباب، وهي "عدم الاهتمام السياسي وأولوية المعيشة والاحتجاج على الواقع".

وللتمكن من استعادة ثقة الناخبين وتحقيق الإصلاح في العراق، دعا مصطفى الحكومة القادمة إلى "اتخاذ مجموعة من الخطوات، وهي: إنهاء هيمنة الأحزاب ومكافحة الفساد وتطبيق القوانين والاعتماد على الكفاءة والاختصاص في التعيينات ، والالتزام بالدستور".

ويشكل الرأي العام العراقي حول الانتخابات مزيجاً من الترقب والتشكيك، حيث يرى العديد من الناخبين أن العملية الانتخابية قد لا تفضي إلى تغيير حقيقي.

ويعزو سيف صلاح مهدي وهو طالب جامعي (38 عامًا)، هذا التحدي إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها "ترسّخ الطبقة السياسية الحالية وصعوبة تحقيق المرشحين الجدد نجاحاً كبيراً، بالإضافة إلى ممارسات الفساد والتلاعب التي تؤثر على نزاهة النتائج، وضعف المشاركة الشعبية التي تقلل من شرعية العملية الانتخابية".

وفي حديثهم عن أبرز القضايا التي يجب أن يعالجها المرشحون، يجمع الناخبون على أهمية محاربة الفساد وتحسين الخدمات العامة.

فبالنسبة لسيف وسارة علي (25 عامًا)، يعد "تحسين البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والصحة من أهم الأولويات، إلى جانب وضع آليات عملية للشفافية ومحاسبة المسؤولين".

ويشيرون إلى أن التحدي الحقيقي للمرشحين الجدد لا يكمن فقط في طرح حلول واقعية، بل في قدرتهم على تنفيذها ضمن بيئة سياسية معقدة.

وفي 9 أبريل/نيسان الماضي، صوت مجلس الوزراء على تحديد 11 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل موعدا لإجراء الانتخابات البرلمانية. ومنتصف الشهر ذاته، أعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني عزمه الترشح للاستحقاق.

وبدأت دورة مجلس النواب الحالية في 9 يناير/كانون الثاني 2022، وتستمر 4 سنوات تنتهي في 8 يناير 2026. وبحسب القانون العراقي، يجب إجراء الانتخابات التشريعية قبل 45 يوما من انتهاء الدورة البرلمانية.

وجرت آخر انتخابات بالعراق في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وذلك بعد عامين على المظاهرات الشعبية التي أجبرت رئيس الحكومة الأسبق عادل عبدالمهدي على تقديم استقالته، وجاء خلفا له مصطفى الكاظمي ليشرف على إجراء الانتخابات.

وشكلت الانتخابات المبكرة في حينه نقطة تحول مفصلية في البلاد، وكانت الخامسة منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003، والأولى التي تجرى وفق نظام الدوائر الانتخابية في المحافظات.

ويضم البرلمان العراقي الحالي 329 نائبا، وتملك أحزاب وتيارات شيعية الغالبية فيه. وتتقاسم السلطات الثلاث مكونات مختلفة، حيث تعود رئاسة الجمهورية تقليدا إلى الأكراد، ورئاسة الوزراء إلى الشيعة، فيما يتولى السنة رئاسة البرلمان.