كولومبيا تطلق مبادرة غير تقليدية لإعمار غزة

الرئيس الكولومبي يقترح استخدام الذهب المصادَر من عصابات المخدرات لتمويل الرعاية الطبية في غزة وتشكيل قوة دولية تتولى مسؤولية إعادة إعمار القطاع.
الجهات الكولومبية المعنية باشرت دراسة الجوانب القانونية والعملية لتنفيذ توجيهات الرئيس

بوغوتا - أعلن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو عن مبادرة تهدف إلى دعم الأطفال الفلسطينيين المتضررين من الحرب في قطاع غزة، من خلال استخدام الذهب المصادَر من عصابات المخدرات الكولومبية لتمويل الرعاية الطبية لهم. المبادرة تأتي في سياق تأكيد دعم بلاده لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، وللمساهمة في إعادة إعمار غزة.
وجاء إعلان بيترو عبر منصة "إكس" (تويتر سابقًا)، حيث قال "أصدرت تعليمات للوكالة الوطنية لإدارة الأصول بإرسال الذهب الذي تم ضبطه من شبكات التهريب والمخدرات، لتمويل علاج الأطفال الجرحى في غزة" مضيفا أن كولومبيا ستقترح على الأمم المتحدة تشكيل قوة دولية تتولى مسؤولية إعادة إعمار القطاع وضمان أمنه واستقراره بعد انتهاء الحرب.
وأكدت الوكالة الكولومبية المعنية بإدارة الأصول المصادَرة (SAE) أكدت أنها باشرت دراسة الجوانب القانونية والعملية لتنفيذ توجيهات الرئيس، مشيرة إلى أن الخطوة تُترجم التزام كولومبيا بمسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية على الصعيد الدولي، رغم بعدها الجغرافي عن النزاع.
ويأتي هذا التحرك في وقت تشير فيه تقديرات الأمم المتحدة إلى أن تكلفة إعادة إعمار غزة قد تتجاوز 70 مليار دولار، منها نحو 20 مليار دولار تمثل الحاجة الفورية خلال السنوات الثلاث الأولى من جهود الإعمار، في أعقاب الدمار الواسع الذي خلفته الحرب الأخيرة.
وكان الرئيس بيترو، المعروف بمواقفه المناهضة للتدخلات العسكرية والانتهاكات الإنسانية، من أوائل القادة في أمريكا اللاتينية الذين تبنوا مواقف حادة تجاه الحرب في غزة. وقد وصف مراراً ما يحدث هناك بأنه "إبادة جماعية"، وقرر العام الماضي قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل احتجاجًا على عملياتها العسكرية في القطاع.
كما دعا المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف الحرب، وتوفير ممرات إنسانية آمنة، وبدء عمليات الإعمار، محذرًا من أن استمرار العنف يُعمّق المآسي ويقوض فرص السلام.
ورغم الانتقادات التي تعرض لها بسبب تصريحاته، خاصة من جانب الولايات المتحدة، التي هددت بإلغاء تأشيرته الشهر الماضي، يواصل بيترو التعبير عن دعمه المطلق لحقوق الفلسطينيين، مع التركيز على الأبعاد الإنسانية للنزاع.
وتزامنت مبادرة الرئيس الكولومبي مع دخول اتفاق تهدئة مؤقت حيز التنفيذ، برعاية الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية. الاتفاق ينص على بدء مشاريع إعادة الإعمار بالتوازي مع تنفيذ صفقة تبادل أسرى، تشمل إطلاق سراح محتجزين فلسطينيين مقابل إعادة أسرى إسرائيليين، تحت إشراف لجنة دولية.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن تحرك بيترو يضيف زخماً سياسياً وإنسانياً للمطالبات الدولية بإعادة الإعمار، ويبعث برسالة بأن المسؤولية الأخلاقية تجاه غزة لا تقتصر على أطراف النزاع المباشرة، بل تمتد لتشمل المجتمع الدولي بأسره، بما في ذلك دول من أميركا اللاتينية.
ورغم أن كولومبيا لا تُعد لاعبًا رئيسيًا في السياسة الشرق أوسطية، إلا أن مبادراتها في المجال الإنساني، خصوصاً في ما يتعلق بالرعاية الصحية للفلسطينيين، تعكس رغبة في إظهار التضامن العملي، وليس فقط الخطابي. وقد سبق لبوغوتا أن استقبلت مصابين فلسطينيين للعلاج في مستشفياتها، في مواقف تعزز صورتها كداعم حقوقي وإنساني في المحافل الدولية.
ويرى محللون كولومبيون أن مبادرة الرئيس، رغم رمزيتها، تسلط الضوء على إمكانية تسخير الموارد التي كانت تُستخدم في تمويل العنف والجريمة، لخدمة أهداف إنسانية نبيلة، مما يضفي بُعدًا أخلاقيًا لسياسات المصادرة ومكافحة الجريمة المنظمة.
وبهذه المبادرة، يسعى الرئيس الكولومبي إلى إعادة تعريف موقع بلاده على الساحة الدولية، عبر المزج بين السياسة والأخلاق، وتأكيد أن التضامن الإنساني يمكن أن يتجاوز الحدود والاصطفافات الجيوسياسية. فذهب الجريمة المنهوب، قد يتحول – ولو جزئيًا – إلى بارقة أمل في حياة طفل جريح على أطراف غزة.