الدبيبة يجمّد تحركات كتيبة في مصراتة بعد اشتباكات

قرار وزارة الدفاع يأتي بعد اندلاع اشتباكات بين عناصر الكتيبة 24 مشاة وقوات من المنطقة العسكرية الوسطى.

طرابلس - أصدرت وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها برئاسة عبدالحميد الدبيبة، قراراً عاجلاً يقضي بمنع عناصر الكتيبة 24 مشاة من مغادرة مقراتهم العسكرية، عقب مواجهات مسلحة اندلعت الخميس بين القوة المذكورة وعناصر من المنطقة العسكرية الوسطى التابعة للوزارة نفسها. وأوضحت الوزارة في بيان رسمي أن القرار يأتي للحفاظ على الانضباط العسكري ومنع تفاقم الاشتباكات داخل المدينة، مؤكدة تكليف المدعي العام العسكري بفتح تحقيق عاجل لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين في إطلاق النار.
وأضاف البيان أن أي تحرك غير مصرح به من قبل الوحدات العسكرية سيُعتبر "خروجاً عن التعليمات ويُواجه بإجراءات صارمة"، في إشارة إلى تزايد قلق السلطات من تصاعد الصدامات بين فصائل يُفترض أنها تتبع لجهة واحدة.
وتحولت مصراتة، التي تعد من أبرز معاقل القوى المسلحة الموالية لحكومة الوحدة، إلى ساحة توتر أمني متكرر خلال الأشهر الماضية، وسط تصاعد الشكوك حول قدرة الدبيبة على احتواء النزاعات بين المجموعات المسلحة التي تمثل ركائز أساسية في توازناته السياسية.
ويرى مراقبون أن هذه الحوادث المتكررة تُظهر بوضوح محدودية نفوذ الحكومة على الأرض، وأنها تعكس ارتباكاً في إدارة الملف الأمني، خاصة مع غياب هيكل موحّد للقيادة العسكرية واستمرار التنافس بين الكتائب المتمركزة في الغرب الليبي. ويعتبر هؤلاء أن استمرار هذا الوضع يهدد بفشل كل الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة والدول الداعمة للعملية السياسية لإجراء انتخابات نزيهة تنهي المرحلة الانتقالية المستمرة منذ أكثر من عقد.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن الاشتباكات الأخيرة في مصراتة ليست معزولة، إذ تشهد مدن أخرى مثل الزاوية وطرابلس والخمس توترات مماثلة بين مجموعات مسلحة تتنازع النفوذ والسيطرة على الموارد ومواقع التموضع. هذه التطورات، وفق محللين، تمثل "انعكاساً مباشراً لغياب المؤسسة العسكرية الموحدة"، وتحول الميليشيات إلى "قوة موازية للدولة" تفرض شروطها بعيداً عن أي سلطة مركزية فاعلة.
وخلفت أعمال العنف الأخيرة حالة من الهلع بين السكان، حيث أُغلقت بعض المدارس والمؤسسات العامة في الأحياء القريبة من مواقع الاشتباك، فيما اضطرت عائلات إلى مغادرة منازلها مؤقتاً. كما سجلت منظمات محلية عمليات خطف ونهب وإغلاق طرق رئيسية، ما زاد من معاناة المدنيين في ظل تدهور الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
ويرى خبراء أن الأزمة الحالية في المنطقة الغربية تضع حكومة الدبيبة أمام اختبار مصيري، إذ لم تعد الوعود بإعادة هيكلة القطاع الأمني كافية دون إجراءات عملية لدمج التشكيلات المسلحة في مؤسسات الدولة وإخضاعها لقيادة موحدة تحت إشراف مدني. فملف الميليشيات، الذي تراكم منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، بات العائق الأكبر أمام تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، كما أنه يشكل التحدي الرئيسي أمام أي استحقاق انتخابي قادم.
ويحذر المراقبون من أن استمرار الاشتباكات بين الميليشيات الموالية للحكومة ذاتها ينسف أسس الثقة في قدرتها على إدارة مرحلة انتخابية آمنة، ويهدد بإعادة البلاد إلى مربع الفوضى والانقسام.
وفي ظل غياب توافق وطني شامل حول قيادة موحدة للجيش والمؤسسات الأمنية، تبقى ليبيا عالقة في حلقة مفرغة من العنف، حيث تتحول الولاءات المسلحة إلى أداة سياسية، فيما يدفع المواطن الليبي ثمن هذا الانقسام المتواصل.
ويرى محللون أن تجاوز الأزمة الحالية يتطلب قراراً شجاعاً من الطبقة السياسية بوقف اعتمادها على الكتائب المسلحة كأداة للنفوذ، وإطلاق مسار وطني حقيقي لتوحيد القوات النظامية تحت راية الدولة، باعتبار أن أمن ليبيا واستقرارها لا يمكن أن يتحققا في ظل وجود عشرات الميليشيات الخارجة عن السيطرة.
وبينما تستمر الجهود الأممية لإعادة إحياء المسار السياسي وتحديد موعد جديد للانتخابات، تظل الاشتباكات في مدن الغرب الليبي تذكيراً قاسياً بأن السلاح المنفلت لا يزال يتحكم في المشهد، وأن طريق الاستقرار ما زال طويلاً وشاقاً أمام الليبيين.