عباس يحسم الجدل بـ"دسترة" الخلافة وتحييد عنصر المفاجأة

الرئيس الفلسطيني يصدر مرسوما دستوريا يمنح نائبه صلاحية خلافته في حالة الغياب لأي سبب كان ويؤمن انتقالا سلسا للسلطة في خطوة فسرت على أنها محاولة لتجنب الفراغ الدستوري والمؤسساتي وتفادي تكرار سيناريو 2004.

رام الله (الضفة الغربية) - في خطوة تحمل أبعادًا سياسية ودستورية بالغة الحساسية، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسومًا جديدًا يقضي بتحديد آلية الخلافة داخل السلطة الفلسطينية، عبر منح نائبه صلاحيات دستورية تضمن انتقالًا منظمًا للحكم في حال شغور المنصب الرئاسي.

والمرسوم، الذي أُعلن عنه في رام الله، يأتي في توقيت يشهد فيه المشهد الفلسطيني احتقانًا داخليًا وتراجعًا في الثقة بالمؤسسات، ما جعله موضع جدل بين من يراه خطوة لتكريس الاستقرار، ومن يعتبره محاولة لإعادة هندسة المشهد السياسي قبيل مرحلة ما بعد عباس.

وبحسب مصادر رسمية، يهدف المرسوم إلى "تحصين الشرعية الدستورية وضمان استمرارية مؤسسات الحكم"، عبر تحديد واضح لصلاحيات نائب الرئيس وتمكينه من تسيير شؤون السلطة فور غياب الرئيس لأي سبب.

ويُفهم من ذلك أن عباس يسعى إلى تجنب حالة الفراغ السياسي التي قد تنشأ في حال غيابه المفاجئ، خصوصًا في ظل انقسام الساحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس، وتعثر مسار المصالحة منذ أكثر من عقد ونصف.

غير أن الدلالات السياسية للمرسوم تتجاوز الجانب القانوني، فالمتابعون يرون أن عباس، الذي تجاوز عامه التاسع والثمانين، يسعى من خلال هذه الخطوة إلى تثبيت معادلة جديدة داخل حركة فتح تضمن انتقالًا سلسًا للسلطة بعيدًا عن التنافس الداخلي الحاد.

وتداولت أوساط فلسطينية أن المرسوم يُمهّد الطريق أمام نائب الرئيس الحالي لتولي زمام القيادة في مرحلة انتقالية، وهو ما اعتبره البعض "تأمينًا لخلافة محسوبة" أكثر من كونه إصلاحًا مؤسساتيًا.

وتُعد هذه الخطوة الأبرز منذ تعديل النظام الأساسي لمنظمة التحرير عام 2009، حين تم توزيع بعض الصلاحيات بين اللجنة التنفيذية والحكومة الفلسطينية، لكنها اليوم تأتي في ظرف مغاير تمامًا، فالمشهد الفلسطيني يعيش واحدة من أكثر فتراته هشاشة على المستويين الداخلي والإقليمي، مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي، واضطراب في حالة الدعم الدولي لحل الدولتين.

ويرى محللون أن المرسوم يهدف بالدرجة الأولى إلى تجنب تكرار سيناريو 2004، حين تسبب غياب ياسر عرفات المفاجئ في ارتباك مؤسسي وسياسي، قبل أن يتولى عباس السلطة إثر توافق داخلي هش. أما الآن، فإن عباس يسعى إلى "دسترة" الخلافة وتحييد عنصر المفاجأة.

في المقابل، انتقدت قوى معارضة في غزة والشتات الخطوة، معتبرة أنها "إعادة إنتاج للسلطة التنفيذية بلبوس قانوني"، واعتبرت أن أي تعديل ذي طابع دستوري يجب أن يصدر عن مجلس تشريعي منتخب لا بمرسوم رئاسي.

ويأتي هذا التطور أيضًا في ظل ضغوط أميركية وأوروبية متزايدة لإعادة هيكلة مؤسسات الحكم الفلسطيني وتوحيدها في إطار إصلاحات ما بعد الحرب على غزة، خصوصًا مع النقاشات الجارية حول شكل السلطة في القطاع بعد انتهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية.

ويعكس مرسوم الخلافة الجديد إدراك القيادة الفلسطينية لحتمية الانتقال السياسي الوشيك، ومحاولة لتجنّب صدام داخلي أو فراغ في هرم السلطة، لكنه في الوقت ذاته، يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات حول مدى قدرة هذا الترتيب على الصمود في وجه الانقسامات البنيوية التي تعصف بالمشهد الفلسطيني منذ أكثر من 17 عامًا.