حفتر يمدّ جسور الحوار مع مصراتة: خطوة جديدة لتجاوز الانقسام

رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الليبية الفريق خالد حفتر يجتمع مع قيادات أمنية وعسكرية من مصراتة حيث تم الاتفاق على تشكيل قوة مشتركة لمكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية كخطوة عملية نحو توحيد المؤسسات.
القيدة العامة تكرس الحوار كحل أمثل لتجاوز حالة الانقسام ورفض التدخل الخارجي
خالد حفتر يشيد بتنامي الوعي الوطني لانهاء الانقسام ورفض التدخلات الخارجية

طرابلس - عقد رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الليبية، الفريق خالد حفتر، لقاءً موسعاً مع قيادات أمنية وعسكرية من مدينة مصراتة، خُصص لبحث آليات التعاون المشترك في ملفات الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، وفتح قنوات تواصل دائمة بين الشرق والغرب تحت مظلة المصالحة الوطنية وذلك في تحرّك يُوصف بأنه الأهم منذ شهور على صعيد الجهود الوطنية لتوحيد المؤسسات الليبية.

وقد تم الاتفاق على تشكيل قوة مشتركة لمواجهة الارهاب والهجرة غير النظامية وتحقيق الاستقرار ما يفسح المجال لمزيد من التعاون وهو ما يخدم في النهاية مصالح الشعب الليبي.
وجاء الاجتماع الذي احتضنته مدينة سرت تنفيذاً لتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر، الذي دعا في وقت سابق إلى اعتماد نهج الحوار الوطني سبيلاً لإنهاء حالة الانقسام السياسي والعسكري التي أثقلت كاهل البلاد على مدار السنوات الماضية ومنع التدخلات الخارجية.
وأكدت مصادر من إدارة التوجيه المعنوي بالقيادة العامة أن اللقاء جاء بعيداً عن أي ضغوط أو أجندات خارجية، في محاولة لترسيخ قناعة ليبية خالصة بأن الحل يجب أن يكون "من الداخل"، وبإرادة وطنية لا تتأثر بتجاذبات القوى الدولية.
وقال اللواء خالد المحجوب، مدير إدارة التوجيه المعنوي، إن اللقاء يمثل "خطوة عملية لبناء الثقة بين الأطراف الوطنية"، مشيراً إلى أن التواصل مع مدينة مصراتة – لما تمثله من ثقل سياسي وعسكري في المنطقة الغربية – يعكس إدراك القيادة العامة لأهمية إشراك جميع القوى الفاعلة في مشروع توحيد البلاد ومؤسساتها.

خطوة عملية لبناء الثقة بين الأطراف الوطنية

وأضاف أن القادة العسكريين والامنيين من مصراتة عبّروا عن تقديرهم لما تحقق من تطوير في بنية القوات المسلحة خلال السنوات الأخيرة، مؤكدين استعدادهم للتعاون في الملفات الأمنية ذات الطابع الوطني، لاسيما في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود ومواجهة الهجرة غير الشرعية، وهي ملفات تمسّ الأمن القومي الليبي بأسره.
وخلال الاجتماع، شدد الفريق خالد حفتر على الدور التاريخي لمدينة مصراتة ومكانتها في وجدان الليبيين، مشيداً بما وصفه بـ"الوعي الوطني المتنامي لدى أبناء المدينة الذين يرفضون منطق الانقسام والارتهان للخارج". وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب شجاعة سياسية وتغليباً لمصلحة الوطن فوق كل اعتبار، داعياً إلى تجاوز لغة الخلاف والبدء في بناء جسور الثقة بين جميع المدن الليبية.
وجاء الاجتماع في سرت جاء بعد يوم واحد من لقاء آخر جمع المشير خليفة حفتر في بنغازي بعدد من مشايخ وأعيان قبائل المنطقة الوسطى، حيث شدد على أن مسار الحل يجب أن ينطلق من الداخل الليبي، وبمساندة القبائل التي لعبت تاريخياً دوراً محورياً في حفظ التوازن الاجتماعي والسياسي.
وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه البلاد حالة من الجمود السياسي بعد انتهاء ولاية حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، وسط تصاعد الدعوات الداخلية والاممية لتشكيل حكومة موحدة جديدة تُمهّد الطريق نحو انتخابات عامة تعيد الشرعية للمؤسسات وتُنهي حالة الانقسام بين الشرق والغرب.
وبحسب مراقبين سياسيين، فإن الخطوة التي قادها الفريق خالد حفتر في سرت تشكّل اختباراً حقيقياً لمدى إمكانية بناء توافق وطني جديد بين القوى العسكرية في الشرق ومصراتة التي لطالما كانت لاعباً رئيسياً في المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة الغربية ودعمت حكومة الدبيبة الحالية.
ويُنظر إلى هذا التواصل على أنه مؤشر على وجود رغبة متبادلة لتقليص مساحة التباعد وخلق أرضية مشتركة للحوار، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه البلاد، ومحاولات بعض القوى الخارجية استثمار حالة الانقسام لفرض وصايتها على القرار الليبي.
واختُتم الاجتماع بالتأكيد على استمرار اللقاءات بين الجانبين خلال الأسابيع المقبلة لوضع خطة مشتركة للتنسيق الأمني، في خطوة تعكس تحوّلاً واضحاً في مقاربة القيادة العامة لملف المصالحة الوطنية، وانتقالها من مرحلة الدعوات إلى مرحلة التنفيذ العملي على الأرض.
بهذا اللقاء، يبدو أن المؤسسة العسكرية الليبية تسعى لتكريس قناعة جديدة مفادها أن الوطن لا يُبنى إلا بالحوار، وأن ليبيا لا يمكن أن تستقر إلا بتكاتف أبنائها من الشرق إلى الغرب، بعيداً عن الاصطفافات السياسية والتجاذبات الخارجية التي أعاقت استقرارها لسنوات.