مقاربة البنية السردية لـ 'حساء بمذاق الورد' في لقاء نقدي بالدار البيضاء

المكتبة الوسائطية لمسجد الحسن الثاني تشهد أمسية نقدية احتفاءً برواية لسعيد منتسب، الفائزة بجائزة المغرب للكتاب 2024، ناقشت العمل من زوايا متعددة: أسطورية، تاريخية، فلسفية، نفسية وشعرية.
ليلى بارع
الدار البيضاء

في سياق الاهتمام الذي تحظى به التجارب السردية المغربية محليا وعربيا، نظمت دار الراوي للنشر والإنتاج الفني بشراكة مع مؤسسة مسجد الحسن الثاني، أمسية ثقافية نقدية احتفاءا  برواية "حساء بمذاق الورد" للكاتب والإعلامي سعيد منتسب، الفائزة بجائزة المغرب للكتاب، صنف السرد لسنة 2024، وذلك يوم الجمعة 24 أكتوبر/تشرين الاول 2025 بالمكتبة الوسائطية التابعة لمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء.
شارك في هذا اللقاء الذي قدمه الشاعر عمر مرحام، كل من النقاد المغاربة: محمد رمصيص، محمد علوط، عمر العسري، محمد البلبال، و الذين تنوعت زوايا ومداخل قراءاتهم النقدية  لمقاربة البنية السردية لرواية “حساء بمذاق الورد”، الصادرة عن دار خطوط وظلال الأردنية، في محاولة لاستجلاء أبعادها الرمزية والثقافية.

أكد الكاتب والاعلامي سعيد منتسب، في كلمته التي ألقاها خلال هذه الندوة، على مداخل أساسية لقراءة عمله، مستعرضا بدايات الكتابة الروائية لهذا العمل بقوله "لم تكن كتابة رواية حساء بمذاق الورد سهلة، إذ استغرقت كتابتها سنتين نشرت جزءا يسيرا منها على فايسبوك بعنوان "عشب الموتى" ثم توقفت وحصرت وقتي لانهائها، والحق أن هذه الرواية تمثل نموذجا للنص متعدد الطبقات، كل باب من أبوابها منصة مستقلة بأجوائها ورموزها، كان هذا اختيارا، لأن الرحلة في البرزخ لا يمكنها أن تتم في مكان واحد، كما لا يمكنها أن تكتب بلغة واحدة.

إن التركيب هو حقيقة هذه الرواية التي كتبت رقعة رقعة، وجزيرة جزيرة، حتى تشكل الأرخبيل وفاضت ضفافه وتناسقت جوانبه، لهذا يمكنني أن أقول إن هناك سبعة مداخل للوصول إلى هذا النص..." وتتلخص هذه المداخل كما قدمها كاتبها إلى سبعة مداخل هي: المدخل الميثولوجي، المدخل التاريخي، المدخل الأتوبيوغرافي، المدخل الفلسفي، المدخل الفانطاستيكي، المدخل الميتاسردي، وأخيرا المدخل الزولوجي/ الإنتومولوجي...لتنفح لدى القارئ والناقد على قراءات أخرى، إيمانا بأن النص هو ملك للقارئ يمنحه حياة اخرى مختلفة في كل مرة يقرأه".

من جهته اعتبر الناقد محمد رمصيص، الذي افتتح الجلسة النقدية لرواية الكاتب سعيد منتسب "حساء بمذاق الورد"،  أنها رواية نواتها المركزية جرح موت الأم، كحدث مؤلم سرده الروائي بماء الشعر، لغة شعرية متميزة يمكن اعتبارها رافعة لهذا العمل،  مما يلحق كاتبها، سعيد منتسب، بلائحة الروائيين المغاربة الشعراء أمثال عبداللطيف اللعبي ومحمد الأشعري وغيرهم، في سياق عملية ابداعية تحول الألم لأثر فني، جرح أراد الكاتب من خلال روايته أن يصفي حسابه مع الألم وأن يشبع الموت حياة من خلال الكتابة...هكذا يصبح الحزن وقودا للكتابة وإن اعتبر البعض أن تغذي المبدع على شعوره بالحزن نوع من المازوجشية الابداعية..."

معتبرا أن ألم المبدع مختلف جدا عن ألم الإنسان العادي من حيث قدرة المبدع على تحويل ألم الفقدان أو وجع الغياب إلى أثر فني، فاالسارد في رواية "حساء بمذاق الورد" (تجاوز فكرة كون الموت هو نوم بلا حلم ورقاد بلا عودة محولا إياه لجرح لا يخلو من مزايا وفسحة تخلو من الشر والظلم، وبذلك أعطى للموت الملغز معنى يتكامل مع الحياة فلولا الموت لما استحق الحياة أن تعاش....

من جهة أخرى، اعتمد الناقد محمد علوط  في تقديم ورقته النقدية على ثلاث محاور وهي تعالق السرد الواقعي والمحكي الأخروي/ استطيقا السرد الشعري/ الهوية السردية ومرايا الحكي، مؤكدا بأن "رواية حساء بمذاق الورد تطرح إشكالا استطيقيا يتعلق بمسألة الهوية السردية، ذلك أن الروايات التي تهيمين فيها سلطة المرجع الواقعي تقدم لنا هويات سردية من داخل صياغة للتطابق بينها وبين شخوص من الواقع المرجعي ذات هوية اجتماعية محددة " مضيفا أن "مبدأ التطابق والارجاع في الرواية يصير موضوع كتابة تخييلية ثانية، حيث باستمرار يتدخل الرمز الشعري ومجازات الغيرية في محكي السارد/ الطفل وفي تمثلاث الوعي لينشأ نوع من الخرق التخييلي السافر يغرق صورة الأم / تودا، وصورة الأب/ الحسين، على سبيل المثال في كثافة استعارية لمخيال طقس العبور من الواقعي إلى الأسطوري ليصير كل واحد منهما / حبر وطين/ متخيل ترميزي كوني لتناسل لا نهائي لصور الوجود الانساني في مرايا الوعي بالزمن".

الورقة الثالثة في هذا اللقاء، اختارمن خلالها  الناقد عمر العسري، صاحب كتاب " قناص الغرابة"، التركيز على المدخل التاريخي للاقتراب من الرواية، ففي ورقته التي حملت عنوان:  " التخييل المضاد للتاريخ في رواية حساء بمذاق الورد" يقرأ عمر العسري الرواية من منظور المقاومة والتخييل يقول: "يرفع سعيد منتسب في روايته "حساء بمذاق الورد" من شأن التخييل التاريخي، من خلال إقامة انحراف أصلي ينفي كل طباق بين "الحدث الثاريخي" و "التخييل" لكنه مع ذلك يجعل التاريخ، على مستوى السرد، فعلا موجودا، ذلك أن التخييل في هذا المستوى، يتحول إلى إدراك ذي طبيعية رؤيوية غير مقيدة تماما بمنطق التجربة، كما يقول ويليام بليك. وتأسيسا على ذلك فإن الروائي لا يؤرخ لحدث ما قدر خلخلته للتاريخ عبر تحويله إلى مادة سردية خام، يعاد تطويعها بالتخييل، وتفجيرها من الداخل بالحلم والرمز والتعريض البلاغي". مضيفا: "فالتاريخ هنا لا يستدعي الوقائع كما نقلها المؤرخ، بل يعكس، من زاوية التخييل، الألم المضغوط بوصفه أثرا عالقا في قاع الذاكرة الجمعية، وعلامة دالة يعاد شحنها جماليا وثقافيا.." ويضيف الناقد وهو يحفر أكثر في بنية النص "ويبىقى التحول الأكبر في الرواية هو انتقال الفضاء السردي الأسطورة إلى التاريخ، أي من الحكاية الإطار إلى المأساة الشعورية التي يتيحها متخيل التاريخ بكل استعاراته ورمزياته".

المقاربة النفسية كانت موقعة من طرف الكاتب والباحث محمد البلبال الذي ارتكزت ورقته على مقاربة سيكلوجية للكتابة باعتبارها علاجا للألم الداخلي للإنسان ولتمزقه، وآلية دفاعية لمواجهة الذكريات والهواجس التي تسكن عالم اللاوعي لدى المبدع،  مؤكدا أن مقاربته لرواية سعيد منتسب "حساء بمذاق الورد"،  تنطلق أساسا من علاقة اللغة واللاشعور اللغوي بالكتابة، بناء على تحليل العالم النفسي جاك لاكان ، حيث كل شيء موجود داخل اللغة، يقول الناقد البلبال:  " ...فالنقد النفسي بهذا المعنى ليس مجرد قراءة لتفكيك البنية السردية أو وصف أسلوب كاتب متميز بل محاولة اعادة تعريف النقد بوصفه فعلا سيكلوجيا يسعى لكشف ما يتخفى خلف اللغة من رغبات وجراح وصور لا واعية لدماغ لاواعي..."

يؤكد الباحث محمد البلبال بأن النقد السيكلوجي يتقاطع مع العلاج، فلولا كتابة نصه الروائي لبقي الكاتب أسيرا لحالة حداد بسبب الفقد، معتبرا أن الإبداع شرط للخروج من حالة الحداد لولادة وعي جديد بالوجود، عبر تحويل مسار الألم لإعادة بناء الهوية الذاتية ، حيث يرتكز السرد في رواية "حساء بمذاق الورد"، "على أعماق النفس البشرية وهي تواجه الخواء والعدم والذاكرة العاطفية محولا الألم إلى مسار لإعادة بناء الهوية....إنها كتابة تحول الصدمة لإشتغال رمزي على الحياة والموت وتعيد للذات توازنها عبر تأمل في معنى الوجود فتتحول بذلك الرواية إلى حقل لإعادة بناء التوازن النفسي المطلوب عبر آلية السرد..".