هل نحن وحدنا؟ تفسير رياضي جديد لصمت الكون يجيب

دراسة مجرية جديدة تتوصل الى أن البشرية قد تكون الحضارة المتقدمة الوحيدة في الكون باحتمال يبلغ 29.1 بالمئة، مقدمةً فرضية 'منطقة العزلة' كتفسير لمفارقة تفترض أنه كلما زاد تعقيد الحضارة، زادت احتمالية كونها فريدة من نوعها.
الاحتمال الأكبر إحصائياً لا يزال لصالح وجود حياة أخرى

بودابست - كشفت دراسة جديدة أن البشرية قد تكون وحيدة في الكون باحتمال يبلغ نحو 29%، مقترحة تفسيراً إحصائياً جديداً لما يُعرف بـ "مفارقة فيرمي".

ونشرت الدراسة في مجلة "أكتا أسترونوتيكا" العلمية تحت عنوان "منطقة العزلة: نافذة احتمالية لوجود حياة منفردة" (The Solitude Zone: A probabilistic window for singular life-form existence).

وأعدّ البحث الدكتور فيريش أنتَال، الأستاذ المشارك في الرياضيات بجامعة الزراعة المجرية.

ويقدم البحث مقاربة إحصائية لمفارقة فيرمي (Fermi Paradox)، التي تتساءل عن سبب عدم عثور البشرية على أي دليل لوجود حضارات أخرى على الرغم من وجود مئات المليارات من النجوم والكواكب في الكون.

وقال الدكتور أنتَال إن الأرض قد تقع ضمن ما أسماه "منطقة العزلة"، وهو نطاق إحصائي تكون فيه احتمالية وجود حضارة واحدة فقط بمستوى تعقيد محدد، أعلى من احتمالية وجود حضارات متعددة أو عدم وجود أي حضارة على الإطلاق.

ووفقاً لما ورد في الدراسة، فإن هذه المنطقة تمثل "نافذة احتمالية حيث يكون احتمال وجود كيان واحد متقدم أكبر من احتمال وجود عدد من الكيانات أو عدم وجود أي منها".

وأضاف الباحث أن تحديد موقع أي حضارة في هذه المنطقة يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية: عدد الكواكب في الكون القابل للحياة، ومستوى التعقيد التقني أو الحضاري، وما سماه "احتمال النشوء" (emergence probability).

وأوضح أنتَال أن هذا الاحتمال الأخير هو العامل الأكثر تقلباً، إذ إن الحياة "يجب أن تكون شائعة بما يكفي لتظهر، لكنها نادرة بما يكفي لئلا تظهر حضارات متعددة في الوقت نفسه".

وبناءً على نماذجه الرياضية، يبلغ احتمال أن تكون الأرض في "منطقة العزلة" نحو 29.1%، بينما تصل النسبة القصوى فيما يُعرف بـ "سيناريو الأرض الحرجة" (Critical Earth Scenario) إلى 30.3% فقط، وهي ذروة الاحتمال ضمن النطاق الإحصائي.

وقال الباحث في دراسته "بالنسبة للحياة البسيطة، العزلة شبه مستحيلة. أما بالنسبة للحضارات المتقدمة للغاية، فقد تصبح العزلة الاحتمال الأكثر ترجيحاً".

وأضاف أنه كلما ارتفع مستوى التعقيد التقني للحضارة، زادت احتمالية كونها الوحيدة في هذا المستوى من التطور داخل الكون.

بالنسبة للحياة البسيطة، العزلة شبه مستحيلة

لكن أنتَال أوضح أنه على الرغم من هذه النسب، لا يوجد أي سيناريو في نموذجه يجعل احتمال العزلة يتجاوز 50%، مما يعني أن الاحتمال الأكبر إحصائياً ما زال لصالح وجود حضارات أخرى، وإن كانت نادرة أو بعيدة.

ويعيد هذا البحث إشعال النقاش العلمي حول مفارقة فيرمي، التي حيرت علماء الفلك منذ خمسينيات القرن الماضي. ووفقاً للتقديرات الحديثة، تحتوي مجرة درب التبانة على ما بين 200 و400 مليار نجم وأكثر من 100 مليار كوكب، مما يجعل غياب الدليل على الحياة الذكية أمراً غير مفهوم.

ويرى بعض العلماء أن العائق الحقيقي أمام استعمار الكواكب الأخرى لا يكمن في الماضي، بل في المستقبل.

ونقلت تقارير عن الفيزيائي البريطاني براين كوكس، الأستاذ بجامعة مانشستر، قوله إن التقدم العلمي اللازم لبلوغ النجوم قد يكون في ذاته سبب دمار الحضارة.

وأوضح كوكس أن "نمو القدرات التقنية غالباً ما يتجاوز نضجنا السياسي، ما يجعل إدارة عالم قادر على تدمير ذاته أمراً مستحيلاً".

وأضاف أن الحضارات التي تمتلك القدرة على تدمير نفسها قد لا تتمكن من النجاة لفترة كافية للتواصل مع غيرها.

وتتنوع التفسيرات الأخرى للمفارقة، إذ يعتقد بعض العلماء أن الكائنات الذكية موجودة لكنها تفتقر للتقنيات اللازمة للتواصل، في حين يرى آخرون أن المسافات الشاسعة بين المجرات تجعل التواصل مستحيلاً، إذ قد تفنى إحدى الحضارات قبل أن يصل أي رد من الأخرى.

كما تقترح فرضية أخرى تُعرف بـ "فرضية الحديقة" (Zoo Hypothesis) أن الكائنات الفضائية المتقدمة تتعمد تجنب التواصل مع الأرض، تاركة تطور البشرية يسير طبيعياً دون تدخل.

وأكدت دراسة أنتَال أن نموذج "منطقة العزلة" لا يقدم يقيناً، بل إطاراً رياضياً لفهم الاحتمالات الكونية، وأن نتائجه "يجب أن تؤخذ كأداة تفكير وليست كحقيقة مطلقة".

ويرى خبراء في علم الأحياء الفلكي أن الفرضية تمثل تطوراً في التفكير الإحصائي حول المسألة، خاصة بعد عقود من الاعتماد على التخمينات في "معادلة دريك" (Drake Equation).

وخلصت الدراسة إلى أن هذه النتائج تثير تداعيات فلسفية عميقة حول مسؤولية البشرية في الحفاظ على حضارتها إذا كانت وحيدة، أو تفتح الباب أمام رحلة البحث عن "شركاء الوجود" إذا لم تكن كذلك.