'تسعة' عرض تونسي يواجه الفناء بفلسفة الحياة

معز القديري يتخذ من الصمت بطل العرض، والمسرح ساحة للأسئلة الكبرى.

تونس - في أمسية مسرحية استثنائية جمعت بين الفكرة الفلسفية والبحث الجمالي، تابع جمهور الفن الرابع يوم الأحد 2 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، ضمن فعاليات الدورة الثالثة من المهرجان الوطني للمسرح التونسي "مواسم الإبداع"، عرضًا مسرحيًا بعنوان "تسعة (9)" من إنتاج شركة فنون التوزيع الريو، وبمساهمة من وزارة الشؤون الثقافية.

العمل من دراماتورجيا وسينوغرافيا وإخراج معز القديري، عن نصّ للكاتب هيثم المومني، الذي شارك في الأداء إلى جانب مريم بن حميدة ومروان الميساوي. وقد احتضنت قاعة الأوديتوريوم بقصر المسرح في ساحة الحلفاوين هذا العرض الذي دام 64 دقيقة متواصلة من التأمل والدهشة.

تبدأ المسرحية من فرضية خيالية ذات طابع وجودي صارخ: آخر إنسان على وجه الأرض، بعد أن انطفأ كل شيء وغمر الصمت أرجاء العالم.

في عالم انطفأ كله، بقي هو. وحيدًا، جامدًا وسط الأنقاض، في زمن متجمّد يرفض الحتمية. اتخذ قراره: ألا ينطفئ، ألا يستسلم. لكن ذلك القرار كان ثمنه باهظًا، إذ اضطر لأن يتخلى عن جزء منه؛ روحه الممزقة باتت تائهة بجانبه، طيفًا أسيرًا في عالم لم يعد موجودًا.

لم يعد للريح أصوات تحملها، الظلال تمتد بلا نهاية، والموت نفسه بدا أنه نسيه. لكن الموت لا ينسى طويلًا. في يوم ما، يأتي بصمت، بصبر، يراقبه ويسمعه، وللمرة الأولى، يكلمه.

وهنا تبدأ "الرقصة الأخيرة": صراع بلا سلاح، وحوار تثقل فيه الكلمات كوداع محترم. فالملاك الذي جاء لا يبدو قاسيًا أو باردًا؛ إنه فقط يغلق كتابًا تتباطأ سطوره الأخيرة.

ومع ذلك، يتمسك البطل بجسده وروحه المنفصلين، يرفض العناق الأخير... لكن إلى متى يمكن تأجيل النهاية حين لا يبقى شيء يستحق الإنقاذ؟ هذه الصورة الشعرية المكثفة تجسد جوهر المسرحية: صراع الإنسان مع الفناء، وتمرده العبثي على قدر لا مفرّ منه.

قدّم معز القديري رؤيته للمسرحية من خلال مقاربة تنتمي إلى المسرح الوجودي المعاصر، لكنه منحها ملامح تونسية واضحة، حيث تحولت الخشبة إلى فضاء للتفكير في الإنسان وفي معناه العميق. فالشخصية المحورية في "تسعة" بلا اسم أو ملامح محددة، لتصبح رمزًا للإنسان الكوني، الإنسان الذي يواجه قدره في عزلة مطلقة.

على هذا النحو، يتحول الركح إلى فضاء رمزي شامل تتجسد فيه الأزمة الإنسانية في بعدها الشامل: الخوف من الفناء، والرغبة في التواصل مع ما تبقّى من أثر الذات والعالم.

اختار القديري أن يبني فضاء العرض على سينوغرافيا مكثفة وإيحائية تقوم على الإيحاء أكثر من الإيضاح. اللون الرمادي القاتم يهيمن على المشهد، ليشي بالخراب والعزلة، فيما يحتل صندوق ضيق بطول جسد الإنسان مركز الركح، رمزًا للقبر أو العزلة القصوى.

تتناوب الإضاءة بين السطوع والخفوت تحت تأثير القمر، في جدلية بصرية بين الأمل والانطفاء، بينما تتحول المؤثرات الصوتية إلى عنصر دراماتورجي قائم بذاته: أصوات متكررة تضيع معانيها وتتحول إلى أنين بشري متواصل، يملأ الفضاء بالإحساس بالاختناق.

ورغم طغيان الطابع الفلسفي، فإن "تسعة" لا تنفصل عن الجانب الإنساني والنفسي للشخصية الرئيسية. فالإنسان الوحيد في المسرحية يستعيد أصوات الماضي — الأب، الأم، الجدة — عبر تقنية الصوت الخارجي (voix off) التي تخلق خلفية سمعية مشحونة بالنوستالجيا.

لكن الذاكرة، بدل أن تكون ملاذًا، تتحول إلى سجن داخلي يحبس الشخصية في دوامة الحنين، وإلى وسيلة مقاومة عبثية ضد الزوال، فتتقاطع الأزمة النفسية مع الأزمة الوجودية في مشهد يتراوح بين الألم والتأمل.

يعتمد النص على توازي فضاءين: فضاء واقعي يجسد الجسد المحتجز في عالم مادي متداعٍ، وفضاء نفسي داخلي يستعرض الصراع مع الخوف والوحدة.

هذا التداخل يمنح العرض بعدًا دائريًا حيث تتكرر الأزمة دون نهاية، في دلالة على استحالة الخلاص أو الفهم النهائي.

رغم سوداوية الطرح، فإن "تسعة" لا تسقط في فخ التجريد البارد، بل تحافظ على تماسّها مع الإنسان الحقيقي. فهي ليست مجرد معالجة فكرية لمفهوم العدم، بل تجسيدٌ حيّ لوضع الإنسان المعاصر الذي يقف بين رغبته في البقاء وإدراكه الحتمي للفناء.

بهذا المزج بين العمق الفلسفي والصدق الإنساني، تحوّلت المسرحية إلى تجربة فكرية وجمالية متكاملة، تُعيد إلى المسرح دوره الأصيل كمساحة للتساؤل ولتفكيك العلاقة بين الإنسان والكون والزمن.

في زمنٍ يطغى فيه الضجيج على الفكر، تأتي "تسعة" لتذكّر بأن المسرح لا يزال قادرًا على إعادة الإنسان إلى ذاته. إنها دعوة للتأمل في معنى الوجود، وفي جدوى المقاومة حين يصبح الفناء قدرًا لا مفرّ منه، وفق وكالة تونس أفريقيا للأنباء.

وبذلك، يقدّم معز القديري ورفاقه عملاً مسرحيًا يزاوج بين الفلسفة والجمال، بين الصمت والصراخ، بين الحياة والموت - عملٌ يثبت أن المسرح التونسي ما زال قادرًا على التجديد والتفكير بلغة العالم، دون أن يفقد روحه المحلية.