رحلة الضوء والحجر.. تأملات فنية في المتحف المصري الكبير
لم يكن دخولي إلى المتحف المصري الكبير مجرد زيارة اعتيادية؛ بل كانت أشبه بعودة إلى بيت قديم أعرفه دون أن أراه من قبل.
في تلك المساحة المهيبة، حيث يلتقي الضوء بالحجر، شعرتُ أني أعود إلى أصل الأشياء، إلى النقطة التي بدأ عندها الإنسان يحلم بالجمال ويجسده في شكل خالد.
كان الهواء مشبعًا برائحة الزمن، والصمت المحيط يحمل موسيقى خفية، كانت الجدران نفسها تحفظ صدى أيدي النحاتين وهم يعملون في ضوء الفجر قبل آلاف السنين.
توقفتُ طويلًا أمام تمثال رمسيس الثاني، لم أره تمثالًا من حجرٍ صلب، بل رأيته معلّمًا صامتًا يُدرّس للأجيال معنى الإصرار والإتقان.
كم من مرة تحدثت لطلابي عن الصبر في الفن، وعن أن اليد التي تصنع الجمال لا تعرف العجلة ولا تساوم على الدقة، لكن هنا، أمام هذا العمل الخالد، فهمت الدرس أنا أيضًا من جديد. شعرتُ كأن كل ضربة إزميل كانت نبضة حياة، وأن الحجر، رغم صمته، يتحدث بلغةٍ يفهمها القلب قبل العين.
تأملتُ الملامح المنحوتة بإيمان عميق، وشعرت أن كل ضربة إزميل كانت صلاة. تذكرت تلاميذي حين يملّون من التفاصيل الدقيقة في الرسم، وحين أقول لهم إن الفن يشبه بناء المعبد، كل حجر صغير فيه ضرورة للكلّ.
وفي حضرة رمسيس، أدركت أن الصنعة حين تمتزج بالروح تتحول إلى خلود. لم يكن الجمال هنا مجرد شكل متقن، بل فكرة تتجاوز الزمن؛ فالفنان الذي نحت هذا الوجه لم يكن يسعى إلى الجمال وحده، بل إلى البقاء - إلى أن يخلّد وجود الإنسان في وجه لا يزول.
في أروقة المتحف، تتجاور الأزمنة كما تتجاور الأحلام. هناك لوحات على الجدران تُظهر الملوك والآلهة، لكنني لم أرَ فيها الملوك ولا الطقوس، بل رأيت الإنسان ذلك الكائن الذي بحث عن معنى وجوده من خلال الخط واللون والنسبة.
ورأيتُ كيف تحوّل الرمز إلى لغة، وكيف صارت الزخارف نصوصًا تروي حكاية شعب أحبّ الحياة رغم قسوتها.
وهذا هو ما أحاول أن أزرعه في طلابي: إن الفن ليس تكرارًا لما نراه، بل بحث عن الذات في العالم من حولنا.
الفن بالنسبة إلي ليس حرفة أو مهارةً فقط، بل طريقة للإنصات إلى ما لا يُقال، ولفهم ما يعجز التاريخ أحيانًا عن شرحه.
في كل مرة أتنقل من قاعة إلى أخرى، أجد نفسي أتأمل العلاقة بين الفنان القديم والفنان الحديث. المصري القديم نحت رمزه ليحفظ به الإله، أما فنان اليوم، فينحت رمزه ليحفظ به ذاته. كلاهما يبحث عن الخلود، وكلاهما يعبّر عن إنسانيته بأدوات عصره.
هنا، في هذا المتحف، يتضح لي أن الفن لا يشيخ، بل يتغير صوته فقط، مثل نهرٍ واحد تتبدل ضفافه ويبقى مجراه ثابتًا.
المتحف المصري الكبير ليس مجرد مكان لحفظ الآثار، بل مساحة تتنفس فيها الروح الإنسانية عبر آلاف السنين.
في كل زاوية منه حديث صامت بين الماضي والحاضر، بين الفنان الذي نقش الحجر قبل آلاف الأعوام، وكل من يقف أمامه اليوم محاولًا أن يفهم سره.
إنه مختبر مفتوح للدهشة، ومدرسة كبرى تُدرّس الصمت والتأمل أكثر مما تُدرّس التاريخ. كل قطعة هنا تبدو كأنها تنتظر من يقرأها بعين القلب، لا بعين السائح العابر. إنها تدعونا إلى إعادة اكتشاف الإنسان الذي كان فينا قبل أن نعرف اللغة.
حين أعود إلى فصلي بعد زيارة كهذه، لا أعود فقط محمّلةً بالصور والملاحظات، بل أعود بطاقةٍ روحية غامرة.
أفتح الدرس وأقول لطلابي: "اليوم سنتعلّم من الفراعنة كيف نرى". ثم أريهم صورة تمثال أو نقشة، وأسألهم: "ما الذي يمكن أن نقوله نحن لو كنا في مكان هذا الفنان؟ كيف نعبّر عن هويتنا نحن، كما عبّر هو عن عصره؟"، تتحول القاعة عندها إلى مساحة من الحوار والاكتشاف، ويصبح الدرس رحلة داخلية أكثر منه تمرينًا فنيًا.
حينها تبدأ تلك الحوارات الصغيرة التي أحبها، واللحظات التي تلمع فيها عيون طلابي، حين يكتشف أحدهم أن الفن ليس تقليدًا بل موقف. إنهم يتعلمون من المتحف دون أن يزوروه؛ يتعلمون من روحه التي تعلّمني أنا أولًا كيف أُدرّس.
فهم يبدأون في رؤية الجمال في أشياء بسيطة: في ظلّ شجرة، أو في ملامح وجهٍ عابر، أو في انسجام لونين على الورق.
حينها أدرك أن رسالتي كمعلمة فن لا تنحصر في تعليم مهارة، بل في إيقاظ حاسة الرؤية الداخلية التي تسكن كل فنان صغير.
فالمتحف بالنسبة إلي ليس بيتًا للآثار، بل معلم عظيم يدرّس الصمت والتأمل. فيه أفهم أن الجمال لا يُقال، بل يُرى، وأن أعظم الدروس هي تلك التي لا تحتاج إلى شرح. من خلاله أتعلّم كيف أوجّه طلابي لأن يطرحوا أسئلتهم الخاصة، بدل أن أملأ أذهانهم بإجاباتٍ جاهزة.
فالفن لا يعيش في المعلومة، بل في الدهشة، ولا يزدهر إلا حين يلتقي السؤال بالشغف. أحيانًا أرى في وجوه طلابي وهم يرسمون، نفس التركيز الذي تخيّلته في عيون النحات القديم، وأشعر أن بيننا وبين أولئك الفنانين آلاف السنين من المسافة، لكن خيط الإبداع لا ينقطع أبدًا.
حين غادرت المتحف، كانت الشمس تغمر الواجهة بزخارف من الضوء، كأنها توقّع على اللوحة التي رسمها المعمار المصري الحديث. توقفتُ هناك طويلًا، أنظر إلى الصرح العملاق، وأتأمل كيف استطاع الإنسان أن يربط الحاضر بالماضي بخطٍ معماري واحد. شعرت أنني خرجت من درسٍ في الجمال الإنساني، لا في التاريخ فقط.
المتحف كلّه بدا لي كلوحة كبيرة رسمها الزمن بتعاون الأجيال من أول نحاتٍ مصري إلى آخر معماري وضع حجره في هذا الصرح العظيم.
أدركت عندها أن دوري كمعلمة فنون ليس أن ألقّن أو أشرح، بل أن أفتح النوافذ في عقول طلابي ليبصروا ما لم يروا.
أن أجعل من كل تجربة فنية جسرًا يصلهم بذواتهم وهويتهم. والمتحف المصري الكبير هو الجسر الأوسع بيننا وبين الجذور. إنه المكان الذي يذكّرنا أن الفن تعليمٌ دائم، وأن المعلم الحقّ هو من يرى في كل أثرٍ فكرة، وفي كل تمثالٍ درسًا، وفي كل لحظة تأملٍ بذرة إبداعٍ جديدة. غادرت المتحف وأنا أبتسم، لأني أيقنت أنني، ما دمت أدرّس الفن، فلن أبتعد يومًا عن هذا المكان، فهو ليس متحفًا فحسب، بل مرآةٌ أرى فيها نفسي كفنانة، ومعلمة، وإنسانة.


