سباق محموم على مقاعد البرلمان العراقي وسط استقطاب سياسي حاد
بغداد - في أجواء مشحونة بالتوتر والترقّب، انطلقت صباح اليوم الثلاثاء عملية التصويت في الانتخابات البرلمانية العراقية، وسط سباق محموم بين القوى السياسية المتنافسة على مقاعد مجلس النواب، بينما تشهد هذه الانتخابات استقطابًا سياسيًا حادًا يعكس عمق الانقسام داخل المشهد العراقي.
وفيما انفتح المشهد الانتخابي على الصراع بين القوى التقليدية الساعية إلى الحفاظ على نفوذها، والتيارات الصاعدة التي ترفع شعار التغيير والإصلاح. توجه ملايين العراقيين إلى صناديق الاقتراع وسط إجراءات أمنية مشددة وآمال متباينة بين من يرى في هذا الاستحقاق فرصة لتجديد الحياة السياسية، ومن يشكك في قدرة العملية الانتخابية على إحداث تحول حقيقي بعد عقدين من الأزمات المتراكمة.
ويدلي الناخبون باصواتهم لاختيار مجلس نيابي جديد مكوّن من 329 عضوا على أن تُغلق صناديق الاقتراع في أنحاء البلاد عند الساعة السادسة مساء (1500 بتوقيت غرينتش) وفق ما قال التلفزيون الرسمي، فيما افاد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بعد الادلاء بصوته إن الانتخابات البرلمانية التي تشهدها البلاد تجري بأجواء آمنة، لافتا أنها "تؤكد على التداول السلمي للسلطة".
ويسعى السوداني للفوز بفترة ثانية في عملية انتخابية يرى فيها الناخبون الشبان على نحو متزايد أنها ليست سوى وسيلة للأحزاب القائمة لتقاسم ثروات النفط في البلاد.
وقال وفي مؤتمر صحفي بعد أن أدلى بصوته في أحد مراكز الاقتراع في حي الكرادة وسط العاصمة بغداد "ابارك بارك لأبناء شعبي "بالعرس الديمقراطي"، مبيناً أن "الانتخابات جاءت في موعدها الدستوري".
وأضاف "الانتخابات تؤكد على مبدأ التداول السلمي للسلطة، والحكومة أولت اهتماماً كبيراً بالتداول السلمي للسلطة" مؤكدا على أن "الانتخابات تجري في أجواء آمنة ومستقرة"، مثمناً دور القوات الأمنية في تأمينها.
ولفت إلى "وجود مراقبين دوليين من أجل اعطاء صورة ناصعة عن العملية الانتخابية".
وتشهد الساحة السياسية العراقية هذه المرة تنافساً غير مسبوق بين التحالفات الكبيرة التي تحاول تثبيت مواقعها، وبين قوى ناشئة تحاول كسر هيمنة الأحزاب التقليدية. وتدور معارك انتخابية حامية في محافظات الجنوب وبغداد، حيث يحاول مرشحو القوى المستقلة استمالة أصوات الناخبين الغاضبين من تدهور الخدمات وارتفاع معدلات البطالة، بينما تعتمد الكتل الكبرى على قواعدها الحزبية وشبكاتها التنظيمية الواسعة.
ويرى مراقبون أن حدة الاستقطاب السياسي الراهن خاصة من قبل القوى المدعومة من ايران تنذر بمرحلة تفاوضية معقدة بعد إعلان النتائج، إذ يسعى كل طرف لتأمين أكبر قدر من النفوذ داخل البرلمان المقبل. ويشير هؤلاء إلى أن شكل الحكومة القادمة سيتوقف على قدرة القوى المتنافسة على عقد تفاهمات تتجاوز الاصطفافات الطائفية، في ظل رغبة متزايدة من الشارع العراقي بتشكيل حكومة كفاءات تضع حداً لحالة الجمود المزمن التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
ومن المتوقع أن يفوز الائتلاف الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء بأكبر عدد من المقاعد لكنه لن يحصل على الأغلبية، مما قد يعني إجراء محادثات على مدى شهور بعد الانتخابات بين الأحزاب الشيعية والسنّية وكذلك الأحزاب الكردية لتقاسم المناصب الحكومية واختيار رئيس للوزراء.
وقال رئيس مفوضية الانتخابات العراقية القاضي عمر أحمد إن "عملية الاقتراع تجري بانسيابية تامة" مضيفا في تصريح مقتضب لقناة "العراقية الإخبارية" الرسمية.بأن "العملية (التصويت) تجري بانسيابية عالية وسط إجراءات أمنية مشددة لضمان سلامة ونزاهة العملية الانتخابية".
من جانبه قال متحدث وزارة الداخلية العراقية العقيد عباس البهادلي، الثلاثاء، إن عملية الاقتراع في الانتخابات البرلمانية بالبلاد "تسير وفق الخطط الموضوعة" مضيفا في تصريح لقناة "العراقية الإخبارية" الرسمية "تجاوزنا جميع السلبيات والعقبات والعملية الانتخابية تسير وفق الخطط الموضوعة".
وتتسم الانتخابات في العراق بانخفاض نسبة المشاركة. وفقد الكثير من الناخبين الثقة في نظام أخفق في كسر نمط السيطرة على الدولة من قبل الأحزاب القوية التي لديها جماعات مناصرة مسلحة، بينما يشكو العراقيون العاديون من الفساد المستشري وسوء الخدمات والبطالة.
ويتوقع محللون وخبراء في مجال استطلاعات الرأي أن تنخفض نسبة الإقبال إلى أقل من المستوى القياسي المنخفض البالغ 41 بالمئة في عام 2021، ويرجع ذلك جزئيا إلى خيبة الأمل العامة ومقاطعة رجل الدين الشيعي الشعبوي مقتدى الصدر، الذي يمثل قاعدة دعم كبيرة تضم مئات الآلاف من الناخبين.
وتضم انتخابات هذا العام عددا من المرشحين الشبان الذين يأملون في دخول عالم السياسة، إلا أن فرصهم في مواجهة شبكات المحسوبية القديمة لا تزال غير مؤكدة.
وقال رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي خلال مقابلة تلفزيونية الشهر الماضي إن هذه الانتخابات لن تعتمد على الشعبية بل ستعتمد "على إنفاق المال".
ويحذر محللون من أن المشاركة المنخفضة بين المدنيين قد تزيد من تآكل الثقة في نظام يقول منتقدوه إنه يفيد القلة بينما يهمل الكثرة. ومع ذلك فإن التصويت، الذي من المتوقع أن تظهر نتائجه بعد عدة أيام، يأتي في وقت حساس بالنسبة للبلاد.
وسيتعين على الحكومة المقبلة أن تتعامل مع التوازن الدقيق بين النفوذ الأميركي والإيراني، وإدارة عشرات الجماعات المسلحة التي ترتبط بعلاقات أقوى مع طهران والمسؤولة أمام قادتها أكثر من مسؤوليتها أمام الدولة، كل ذلك في الوقت الذي تواجه فيه ضغوطا متزايدة من واشنطن لتفكيك تلك الجماعات.
وتجنّب العراق حتى الآن أسوأ التداعيات الإقليمية الناجمة عن حرب غزة، لكنه سيواجه غضب الولايات المتحدة وإسرائيل إذا لم ينجح في احتواء الجماعات الموالية لإيران.
كما سيواجه الفائزون في الانتخابات ضغوطا في الداخل لتقديم تحسينات ملموسة في الحياة اليومية ومنع الغضب الشعبي الناتج عن الفساد من الانفجار وتحوله إلى احتجاجات، كما حدث خلال المظاهرات الحاشدة في عامي 2019 و2020.
وبدأ العراق إجراء الانتخابات البرلمانية في 2005 بعد الغزو الأميركي عام 2003 الذي أطاح بالرئيس صدام حسين.
وشابت التجارب الانتخابية الأولى أعمال عنف طائفية وقاطعها المسلمون السنة بعد أن سمحت الإطاحة بصدام بتحويل الهيمنة السياسية إلى الأغلبية الشيعية التي كان قد قمعها خلال فترة حكمه الطويلة.
وانحسرت الطائفية إلى حد كبير، لا سيما بين العراقيين الأصغر سنا، لكنها لا تزال متجذرة في النظام السياسي الذي يقسم المناصب الحكومية بين الشيعة والسنة والأكراد والمسيحيين ومجموعات عرقية ودينية أخرى. وبموجب نظام تقاسم السلطة في العراق، يجب أن يكون رئيس الوزراء شيعيا ورئيس البرلمان سنيا ورئيس الجمهورية كرديا.