أربيل أول محطة للسوداني بعد الانتخابات بحثا عن دعم كردي حاسم

الزيارة المقررة للسوداني إلى كردستان ينتظر أن تتوج بتفاهمات واضحة بخصوص آلية دفع رواتب الموظفين وتحديد إطار زمني لتسريع إعداد مشروعي قانوني النفط والغاز.

بغداد - يستعد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني لزيارة أربيل مطلع الأسبوع المقبل، في أول محطة سياسية له بعد فوزه المريح في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهي زيارة محمّلة برسائل تتجاوز البروتوكول إلى جوهر معادلة الحكم في العراق. فالسوداني، الذي يدخل مرحلة تفاوض مضنية لتشكيل حكومته المقبلة، يدرك أن بوابة الاستقرار البرلماني تمر عبر دعم الكتلة الكردية، وأن أربيل، خصوصاً بعد انتصار الحزب الديمقراطي الكردستاني الساحق، توجد اليوم في أفضل وضع تفاوضي منذ سنوات.

دلالات الزيارة: من رسائل الثقة إلى إعادة ضبط التوازنات

اختيار السوداني لأربيل كأول محطة بعد الانتخابات ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر على أن رئيس الوزراء يسعى لفتح صفحة جديدة مع القيادة الكردية، بعد أعوام من التوترات المالية والدستورية غير المحسومة. فالوضع السياسي الذي أفرزته الانتخابات وضع السوداني في مواجهة الحاجة الملحّة إلى بناء تحالفات صلبة، وخاصة مع القوى الكردية التي تبقى حجر الزاوية لأي أغلبية برلمانية مستقرة.

وبقدر ما تعكس الزيارة اعترافاً عملياً بالدور المركزي لكردستان في موازين الحكم، فإنها تكشف أيضاً عن إدراك السوداني أن الدخول في مواجهة مبكرة مع أربيل سيجعل تشكيل الحكومة، ناهيك عن إدارتها، مهمة شبه مستحيلة.

الكتلة الكردية: رصيد حاسم في معركة التحالفات

يحتاج السوداني خلال المرحلة المقبلة إلى كل مقعد برلماني يضمن له الأغلبية، ووجود كتلة كردية قوية وموحدة يمنحه فرصة للتفاوض من موقع توازن. ويأتي الحزب الديمقراطي الكردستاني اليوم، بعد حصوله على أكثر من مليون صوت، في وضع تفاوضي غير مسبوق، ما يجعله لاعباً حاسماً في تحديد شكل الحكومة المقبلة واتجاه سياساتها.

السوداني يدرك أن الدخول في مواجهة مبكرة مع أربيل سيجعل تشكيل الحكومة، ناهيك عن إدارتها، مهمة شبه مستحيلة

هذا التفوق الانتخابي يعزز قدرة القيادة الكردية على فرض رؤية أكثر وضوحاً للشراكة، خاصة أنها راكمت خبرة في الإدارة ونجحت، رغم الأزمات الاقتصادية، في تحويل الكثير من التحديات إلى إنجازات داخل الإقليم. وهو ما يعطي أربيل أوراق قوة يمكن أن تُحدث تحولات عميقة في شكل العلاقة بين المركز والإقليم إذا ما استثمرت بذكاء.

ملفات الخلاف: هل يحمل السوداني تعهدات واضحة؟

ومن المتوقع أن تتصدر الملفات العالقة جدول مباحثات السوداني في أربيل، وعلى رأسها: صرف رواتب موظفي الإقليم بعيداً عن الاجتهادات السياسية، إيجاد حل شامل لقضية تقاسم الثروات النفطية، خاصة بعد قرارات المحكمة الاتحادية الأخيرة، بلورة رؤية نهائية لقانون النفط والغاز الغائب منذ 2007 وتسوية حصة الإقليم من الموازنة ورواتب البيشمركة.

ويطرح السؤال نفسه: هل سيقدّم السوداني تعهداً سياسياً واضحاً بحل هذه الخلافات؟
المؤشرات الأولية تفيد بأنه يسعى لتسويات طويلة المدى، لكنه في الوقت نفسه يواجه ضغوطاً سياسية من قوى شيعية لا ترغب في تقديم تنازلات كبيرة لأربيل. لذلك تبدو وعوده مرهونة بحجم الدعم الكردي الذي سيحصل عليه في مفاوضات تشكيل الحكومة.

البعد الأمني والدولي: ورقة إضافية بيد أربيل

لا ينحصر دور كردستان في الملفات المالية فحسب، بل يمتد إلى جانب أمني محوري. فالإقليم يشكل شريكاً أساسياً في مكافحة الإرهاب وضمان الاستقرار على الحدود وفي المناطق المتنازع عليها. كما أن أربيل بوابة رئيسية للعلاقات العراقية مع الولايات المتحدة ودول غربية مؤثرة، ما يجعل أي توتر معها مكلفاً للسودان، خصوصاً في ملف الطاقة والاستثمارات الدولية.

زيارة مفصلية… ومرحلة اختبار

في المحصلة، لا تأتي زيارة السوداني إلى أربيل كإجراء بروتوكولي بل كخطوة سياسية محسوبة ترمي إلى ترسيخ مبدأ الشراكة في مرحلة ما بعد الانتخابات، فتح مسار تفاوضي جدي يعالج جذور الخلافات الدستورية، تأمين دعم برلماني كردي يضمن تشكيل الحكومة واستمرارها واستعادة قدر من الثقة الضرورية لإنجاح برنامجه خلال ولايته الحالية أو المقبلة.

غير أن الطريق لا يزال طويلاً ومعقداً، إذ تتقاطع فيه الحسابات الحزبية مع المصالح الاقتصادية ومع مطالب الشارع الكردي والعراقي على حد سواء. وتبقى قدرة السوداني على بناء تفاهمات مع أربيل اختباراً مبكراً لمدى استعداده لإعادة هندسة العلاقة بين المركز والإقليم على أسس أكثر استقراراً ووضوحاً.