هل يعكس إخفاق 'مصير امرأة' أزمة في الدراما الاجتماعية المغربية
الرباط - بعد أسابيع قليلة من إطلاقه في القاعات السينمائية المغربية، خرج فيلم "مصير امرأة" من جدول العروض بهدوء، في انعكاس واضح للصعوبات التي تواجه الدراما الاجتماعية في المغرب في جذب الجمهور، حتى عندما تتسم الأعمال الفنية بالقيمة الإنسانية والعمق الاجتماعي. الفيلم من إخراج محمد الكغاط وبطولة وإنتاج أسماء الخمليشي، وكان من المفترض أن يكون تجربة درامية رائدة تقدم صورة معاصرة عن حياة المرأة المغربية، وتعكس صراعاتها داخل الأسرة والمجتمع، إلا أن الواقع كان مختلفًا تمامًا.
تعد تجربة أسماء الخمليشي في الإنتاج السينمائي أولى خطواتها خارج التمثيل، وقد عملت على الفيلم لأكثر من عامين مع المخرج محمد الكغاط، محاولةً تقديم رؤية شخصية لقضايا المرأة المغربية. الفيلم يتناول قصّة شقيقتين تختلفان في الطباع والمواقف، وتتشابك حياتهما مع رجل غامض يغير مجرى حياتهما، مع التركيز على الصراعات العاطفية والمعاناة النفسية والاجتماعية للنساء في المدن المغربية الكبرى.
رغم الطابع الإنساني والرسائل الاجتماعية التي يحملها العمل، فإن الإقبال الجماهيري على الفيلم كان محدودًا، مما يعكس ضعف قدرة الدراما الاجتماعية على منافسة الأعمال الكوميدية التي يفضلها الجمهور المغربي لأسباب ترتبط بالترفيه والخفة والسهولة في التلقي. ويرى النقاد أن الجمهور يميل إلى الأفلام التي توفر المتعة السريعة والفكاهة، بينما تبقى الأعمال الاجتماعية والإنسانية، رغم جودتها، عرضة للإخفاق التجاري.
تجربة الفيلم لم تكن منعزلة عن مسيرة المخرج محمد الكغاط، الذي سبق له إخراج فيلم "أحلام صغيرة" (2023) الذي تناول حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة والتحديات التي يواجهونها في الحصول على التعليم. رغم الرسائل الإنسانية التي حملها الفيلم، غادر القاعات بسرعة، وهو ما يعكس أزمة أكبر في السينما المغربية، تتمثل في صعوبة المزج بين القيمة الفنية والرسائل الاجتماعية من جهة، وبين القدرة على جذب شريحة واسعة من الجمهور من جهة أخرى.
ومن ناحية أخرى، تظهر أزمة الفيلم علاقة وثيقة بالتحديات التسويقية والإنتاجية. ففيلم "مصير امرأة" رغم جودة قصته وطابعه الإنساني، لم يتمتع بحملة ترويجية قوية تجذب جمهورًا جديدًا، ما يضعف فرصته في الصمود طويلًا داخل دور العرض. إضافة إلى ذلك، يميل المشاهد المغربي إلى اختيار الأفلام ذات الطابع التجاري، والتي توفر تجربة سريعة وممتعة، مقارنة بالأعمال الدرامية التي تتطلب تركيزًا واهتمامًا أكبر لفهم التفاصيل الإنسانية والاجتماعية المعقدة.
وتبرز تجربة أسماء الخمليشي هنا كدليل على صعوبة الجمع بين الطموح الفني والواقع التجاري. فقد صرحت الخمليشي في وقت سابق بأنها رغبت في تقديم فيلم يعكس رؤية حقيقية للمرأة المغربية ويعالج قضاياها المتنوعة، من العلاقات الأسرية إلى التحديات الاجتماعية، معتمدة على تجربتها الشخصية والقصص التي ورثتها من والدتها وجدتها. لكن الرسالة الاجتماعية، مهما كانت واضحة، لم تكن كافية لضمان النجاح الجماهيري، وهو ما يضع تحديًا كبيرًا أمام صانعي السينما الاجتماعية في المغرب.
من الجدير بالذكر أن الأزمة التي يواجهها فيلم "مصير امرأة" هي جزء من تحدٍ أكبر يعيشه القطاع السينمائي المغربي، حيث تبدو الأعمال الاجتماعية الإنسانية دائمًا في موقع ضعف أمام الأعمال الكوميدية التجارية، التي تجذب المشاهدين بسهولة وتحقق إيرادات أعلى. ويشير الخبراء إلى أن السينما المغربية تحتاج إلى تطوير أساليب السرد والترويج، بحيث يمكن تقديم الرسائل الاجتماعية بطريقة أكثر جاذبية، دون المساس بالعمق الفني أو المضمون الإنساني.
في النهاية، يمكن القول إن إخفاق فيلم "مصير امرأة" يعكس أزمة مزدوجة: أولاً، صعوبة الحفاظ على حضور جماهيري مستمر للأعمال الدرامية الاجتماعية في المغرب، وثانيًا، الحاجة إلى إعادة النظر في طرق إنتاج وتسويق هذه الأعمال. فحتى عندما تحتوي الأفلام على قيمة فنية ورسائل إنسانية مهمة، فإنها تواجه تحديات شديدة في الوصول إلى جمهور واسع، ما يجعل صمودها داخل القاعات محدودًا، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الدراما الاجتماعية المغربية وقدرتها على المنافسة في سوق يهيمن عليه الطابع التجاري والكوميدي.