اصطفاف سياسي ومدني واسع خلف مبادرة المغرب للحكم الذاتي
الرباط - قدّم حزبا العدالة والتنمية والاستقلال في المغرب، الجمعة، مذكرات تفصيلية إلى الديوان الملكي تتضمّن تصوّراتهما بشأن تحديث مبادرة الحكم الذاتي في إقليم الصحراء، وذلك استجابة لطلب ملكي موجّه إلى الأحزاب الممثلة في البرلمان.
وتأتي هذه الخطوة بعد أيام من دعوة العاهل المغربي الملك محمد السادس للأحزاب السياسية إلى بلورة مقترحات عملية حول "تحديث وتفصيل" المبادرة، تمهيدًا لإحالتها على الأمم المتحدة باعتبارها "الأساس الوحيد للتفاوض" لحلّ قضية الإقليم.
وأفاد حزب العدالة والتنمية الإسلامي في بيان، بأنه رفع مذكرة تشمل توصيات الحزب بشأن تطوير المبادرة، مؤكدا أنها صيغت ضمن "إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة"، دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول مضمونها.
وفي المقابل، أعلن حزب الاستقلال، المشارك في الائتلاف الحكومي، أنه أحال بدوره على الديوان الملكي "مذكرة مفصلة" جاءت عقب اجتماعين قياديين خصصا لصياغة رؤية الحزب حول المبادرة. وأوضح الحزب أن اجتماعاته جرت برئاسة أمينه العام نزار بركة، مركّزة على بلورة تصور ينسجم مع الثوابت الوطنية ومقتضيات السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية.
وفي السياق ذاته، كان حزب التجمع الوطني للأحرار، قائد الائتلاف الحكومي، قد كشف الخميس عن اعتماده التصور النهائي بشأن مقترح الحكم الذاتي، بعد "نقاش مستفيض" استند إلى التوجيهات الملكية والمرجعيات الأممية والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية.
وأكد الحزب أنه بصدد رفع مقترحه إلى الديوان الملكي، مشيراً إلى أن الهدف هو "فتح آفاق جديدة لعودة المحتجزين في مخيمات تندوف إلى وطنهم والمساهمة في تدبير شؤونهم المحلية ضمن مغرب موحّد".
وتأتي التحركات الحزبية المتسارعة عقب إعلان الملك، نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عن عزم المملكة تحديث المبادرة قبل تقديمها إلى الأمم المتحدة، وذلك في ظل زخم دولي داعم للمقترح بعد قرار مجلس الأمن الأخير الذي جدّد التأكيد على أهمية المبادرة المغربية كمسار جدي وواقعي.
وكان المجلس قد مدّد ولاية بعثة 'مينورسو' لعامين إضافيين، وسط امتناع كل من روسيا والصين وباكستان عن التصويت، وعدم مشاركة الجزائر، الداعمة لطرح الاستفتاء.
ومنذ 2007، يطرح المغرب مبادرة الحكم الذاتي كحلّ نهائي للنزاع، في حين تتمسك جبهة بوليساريو بخيار الاستفتاء بدعم من الجزائر.
تشير الخطوات المتزامنة للأحزاب المغربية إلى ثلاثة اتجاهات أساسية:
اصطفاف سياسي ومدني واسع خلف المبادرة الملكية
سرعة استجابة الأحزاب يعكس توافقاً وطنياً حول مركزية مبادرة الحكم الذاتي كخيار استراتيجي للدولة، ويبرز توجهاً نحو تعزيز الشرعية الداخلية للمقترح قبل إدراجه في المسار الأممي.
تنويع الرؤى ضمن إطار سيادي واحد
ورغم اختلاف الخلفيات الإيديولوجية للأحزاب (إسلامي، محافظ، ليبرالي)، فإنها تتقدم بتصورات تخضع للثوابت نفسها: السيادة الكاملة للمغرب ورفض أي أطروحات انفصالية، ما يعزز الرسالة السياسية الموجّهة للخارج بأن المبادرة نتاج توافق مجتمعي وليس قراراً فوقياً.
تهيئة الأرضية لمبادرة "محدّثة" أكثر قوة تفاوضية
استناداً إلى المستجدات الأممية ودعم مجلس الأمن للمبادرة، يهدف المغرب إلى تقديم نسخة مطوّرة تُظهر مرونة في التفاصيل وصرامة في الثوابت، ما سيعزز موقف الرباط التفاوضي ويزيد من عزلة الطرح الانفصالي دولياً.
وبهذه الدينامية الحزبية–المؤسساتية، يبدو أن الرباط تتجه نحو مرحلة جديدة من تفعيل دبلوماسية داخلية وخارجية منسّقة، قوامها مبادرة حكم ذاتي مطوّرة ذات شرعية وطنية عريضة.