الجزائر استخدمت ورقة صنصال جسرا للعودة للحوار مع باريس

وفد دبلوماسي رفيع تقوده المسؤولة الثانية في وزارة الخارجية الفرنسية يبدأ زيارة إلى الجزائر بعد أيام قليلة من عودة الكاتب إلى باريس.

الجزائر - بدأ وفد دبلوماسي رفيع تقوده آن ماري ديكوست الأمينة العامة لوزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، زيارة إلى الجزائر، ما يشير إلى انفراج في الأزمة التي وضعت البلدين على حافة القطيعة، فيما تأتي هذه الزيارة بعد أيام قليلة من عودة الكاتب الفرنسي من أصل جزائري بوعلام صنصال إلى باريس.

وتُعتبر زيارة ديكوست، المسؤولة الثانية في الخارجية الفرنسية، دليلاً على جدّية باريس في استئناف التواصل على أعلى المستويات، ما يمثل اعترافاً بأهمية العلاقة مع الجزائر ورغبة في معالجة القضايا العالقة بعمق.

وأرسلت الجزائر خلال الآونة الأخيرة إشارات واضحة تؤكد استعدادها للحوار مع فرنسا بما يفضي إلى تبريد الأزمة، مدفوعة برغبتها في تخفيف عزلتها على الساحة الأوروبية والتي باتت تهدد مصالحها الاقتصادية.

ويُنظر إلى عودة صنصال إلى باريس على أنها بادرة إنسانية من الجانب الجزائري، هدفها تهيئة المناخ الإيجابي للحوار، كما تؤكد مرونة وقدرة على الفصل بين القضايا السياسية المعقدة والملفات الإنسانية.

واختارت الجزائر أن تجعل الإفراج استجابة لطلب الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، بدلاً من الاستجابة مباشرة لفرنسا، وهذا سمح لها بتحقيق هدفين: تقديم بادرة حسن نية تخدم التهدئة الشاملة والحفاظ على ماء الوجه والرد على ما اعتبرته "غطرسة" فرنسية، وإبقاء باريس على الهامش في التفاوض المباشر حول الملف.

وتحول بقاء كاتب حائز على الجنسية الفرنسية والألمانية وله ثقل أدبي في السجن إلى عبء سياسي على الجزائر، مما أضر بصورتها الدولية، خاصة مع رغبتها في تنويع شركائها.

ولم يكن فتح باب التهدئة مجرد تنازل، بل كان خياراً براغماتياً مدفوعاً بحسابات الكلفة السياسية والاقتصادية لاستمرار القطيعة. واستخدمت الجزائر ورقة إنسانية كجسر للعبور نحو الحوار، مستفيدة من وساطة طرف ثالث (ألمانيا)، بهدف كبح الخسائر الجيوسياسية واستعادة التوازن في علاقاتها الخارجية المتصدعة مع أكثر من دولة.  

وكان لخروج وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو المعروف بمواقفه اليمينية المتشددة، والذي كان هدفاً لانتقادات الجزائر، من الحكومة، عاملاً حاسماً في إزالة إحدى العقبات الرئيسية التي كانت ترفض الجزائر تقديم أي تنازلات في وجودها.

وبعد عام من الاحتجاز في الجزائر، أُطلق سراح صنصال في 12 نوفمبر/شرين الثاني بفضل وساطة ألمانية. وبعد أقل من أسبوع من وصوله إلى برلين قادمًا من الجزائر العاصمة، وصل الكاتب الفرنسي من أصل الجزائري إلى باريس يوم الثلاثاء 18 نوفمبر/تشرين الثاني، حيث استقبله الرئيس إيمانويل ماكرون بقصر الإليزيه، وأشاد بـ"كرامته " و"صلابته المعنوية" و"شجاعته " ، واصفًا إياها بأنها "مثالية"، وفق صحيفة "لوموند" الفرنسية. 

وتلا ذلك لقاء مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الذي أكد لعائلة صنصال أن خدماته "ستبقى تحت تصرفهم بالكامل"، وفقًا لبيان صادر عن وزارة الخارجية الفرنسية.

وتفادت باريس إثارة أي ضجة إعلامية لهذا التكريم، إذ يميل الإعلام الرسمي والسياسي في فترات الانفراج إلى تخفيف لهجة التصعيد، مما يعكس توجهاً من القيادتين نحو ضبط الأجواء العامة لتمكين المسار الدبلوماسي من العمل بهدوء.

ويمثل هذا التطور ضرورة واقعية تمليها المصالح الاستراتيجية المتبادلة والأمن الإقليمي، ويفتح الباب أمام حوار صريح لمعالجة الخلافات العميقة. وأكد ماكرون خلال الآونة الأخيرة استعداده للحوار مع نظيره الجزائري عبدالمجيد تبون، معبرا عن الرغبة في التهدئة وطي صفحة الأزمة مع شريك تاريخي.

وعلى الرغم من أن العلاقات بين البلدين لم تغادر مربع التوتر على امتداد الأعوام الماضية، تظل هناك مصالح مشتركة وحيوية تدفعهما إلى العودة للمباحثات، ومن أبرزها الأمن الإقليمي، حيث تتعاون الجزائر وفرنسا في قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء، وهذا التنسيق لا يمكن أن يستمر بفاعلية في ظل قطيعة دبلوماسية.

كما تعتبر باريس شريكاً اقتصادياً وتجارياً مهماً للجزائر، لا سيما في قطاعات الطاقة (في سياق الأزمة الأوروبية للطاقة) والاستثمارات، بالإضافة إلى وجود جالية جزائرية كبيرة في فرنسا يجعل من الضروري وجود تنسيق قنصلي وسياسي دائم، خاصة فيما يتعلق بملفات الهجرة والتنقل.

ولا يزال ملف الذاكرة المتعلق بالفترة الاستعمارية يمثل نقطة خلاف حساسة وجذرية، ويتطلب الحوار الجاد والمستمر للوصول إلى تفاهمات ومقاربات مشتركة. وتصر الجزائر على مبدأ الندّية في علاقاتها مع فرنسا، وترفض أي تدخل أو انتقاد لشؤونها الداخلية.