هجوم كورمور: صراع نفوذ داخلي يتقاطع مع حسابات إقليمية معقدة

مسرور بارزاني يدعو المجتمع الدولي خاصة الولايات المتحدة، إلى تزويد كردستان بمعدات دفاعية لحماية منشآت الطاقة.
الهجوم يمكن أن يندرج في اطار الضغط على كردستان في ملف تسليم الإيرادات النفطية الى بغداد
الفصائل الشيعية تسعى لإظهار النفوذ في مناطق خارج نطاق حضورها التقليدي
الهجوم يهدف للتأثير في التوازنات الحساسة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني.
لا يمكن فصل الهجوم عن التوترات الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة
الهجوم يأتي في مرحلة تتكثّف فيها المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة

أربيل – مثّل الهجوم الذي تعرّض له حقل كورمور الغازي في محافظة السليمانية مساء الأربعاء محطة جديدة في سلسلة الضربات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة في إقليم كردستان. فالهجوم الذي نُفّذ بطائرة مسيّرة وأدى إلى انقطاع كامل لإمدادات الغاز عن محطات الكهرباء، تجاوز، بحسب معظم القراءات، إطار الحادث الأمني العابر، ليأخذ شكلاً أكثر ارتباطاً بالصراع السياسي والاقتصادي والانتخابي داخل العراق، وكذلك بالتجاذبات الإقليمية في لحظة شديدة الحساسية.
ووقع الهجوم في ساعة متأخرة من الليل، وتحديداً عند الساعة 23:30 بالتوقيت المحلي، لكن أهميته لا تتصل بساعة التنفيذ بقدر ما تتعلق بالمرحلة التي يمرّ بها العراق. فالمشهد السياسي يشهد حالة إعادة تموضع داخل الإطار التنسيقي، وتصاعد نقاشات حول مستقبل الحكومة، واحتمالات إعادة توزيع الأدوار بين القوى الشيعية، إلى جانب المنافسة الحادة على موارد الطاقة التي تُعتبر أحد أعمدة النفوذ في البلاد.
وعقب الهجوم، دعا رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، إلى تزويد كردستان بمعدات دفاعية لحماية منشآت الطاقة. واعتبر أن "الإرهابيين المعتادين" يستغلون ضعف منظومات الدفاع لتهديد أمن الإقليم ومصادره الاقتصادية.

ومن جانبها، وصفت قيادة العمليات المشتركة العراقية الهجوم بأنه "عمل إرهابي خطير" يستهدف ضرب الاستقرار الأمني والاقتصادي. ورغم استمرار التحقيقات، لم تُعلن أي جهة مسؤوليتها، كما جرت عادة هجمات سابقة استهدفت الحقل في الأشهر الماضية.
ويُنظر إلى استهداف منشأة بحجم وأهمية كورمور كخطوة تحمل رسائل سياسية مدروسة. فالهجوم يأتي في مرحلة تتكثّف فيها المفاوضات المعلنة والسرية المتعلقة بشكل السلطة المقبلة، ما يجعل أي ضربة على منشآت حساسة جزءاً من التأثير في ميزان القوى، وليس مجرد عملية تخريبية منعزلة.
ولا يمثل حقل كورمور، الذي تُشغّله شركة دانة غاز الإماراتية، مجرد مصدر للطاقة لإقليم كردستان، بل يُعد أحد الأعمدة الاقتصادية لمدينة السليمانية ولحزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يملك نفوذاً واسعاً في المنطقة. ويؤمّن الحقل نحو 75 في المائة من الغاز المستخدم في توليد الكهرباء داخل الإقليم، ما يجعله شرياناً حيوياً لا يمكن الاستغناء عنه.
واستهدف الهجوم، وفق التقديرات الأولية، خزانات الغاز، وتسبب بانفجار وحريق كبيرين أدّيا إلى توقف كامل للإمدادات، ما نتج عنه انخفاض بمقدار 2600 ميغاواط من الطاقة الكهربائية، بحسب وزارة الكهرباء في الإقليم. هذا الانقطاع أدى بدوره إلى انطفاء نحو 80 في المائة من التيار الكهربائي في مدن وبلدات عديدة، بينها السليمانية.
وبهذا المعنى، فإن ضرب كورمور ليس استهدافاً لمنشأة اقتصادية فقط، بل هو ضربة مباشرة لمصدر قوة اقتصادي وسياسي في الإقليم، وتحديداً للحزب الذي يدير المنطقة. كما يشكل الهجوم تذكيراً بأن المشاريع ذات البُعد الإقليمي – هنا المشروع الإماراتي–الكردي – ليست بعيدة عن الحسابات الداخلية للفاعلين المسلحين في العراق.
وتشير الاتهامات التي تُوجّه عادةً بعد هجمات كهذه غالباً إلى "فصائل شيعية مسلحة"، وهو اتهام سياسي قبل أن يكون أمنياً حيث يرى مراقبون أن هذا الاتهام يحمل دلالات عديدة، أبرزها الضغط على الإقليم في ملف تسليم الإيرادات النفطية إلى بغداد، وهو ملف خلاف مستمر وكذلك التأثير في التوازنات الحساسة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني.
كما تؤكد مثل تلك الاتهامات على أن القرار الأمني في مناطق الطاقة مرتبط إلى حد كبير بمواقف تلك الفصائل وليس فقط بمؤسسات الدولة الرسمية.
وتضع هذه الرسائل حكومة الإقليم أمام معادلة معقّدة هي أن أي نشاط اقتصادي أو تفاهم مع شركاء دوليين، خصوصاً في قطاع الطاقة، يحتاج إلى ضوء أخضر من قوى تمتدّ نفوذها إلى ما بعد الحدود الجغرافية للإقليم في إشارة ربما لطهران.
كما لا يمكن تجاهل البُعد الانتخابي في المشهد. فمع اقتراب بغداد من ترتيبات ما بعد الانتخابات وتحديد معالم الحكومة المقبلة، تبدو بعض الفصائل المسلحة حريصة على إظهار النفوذ في مناطق خارج نطاق حضورها التقليدي، بما في ذلك مناطق كردستان.
وتسعى تلك الفصائل إلى إرسال رسالة مزدوجة أولا للقوى الشيعية المنافسة أنها موجودة في كل الجغرافيا العراقية وأن لها القدرة على التأثير في ملفات الطاقة، سواء في الوسط والجنوب أو في الشمال وثانيا للقوى السياسية في أربيل والسليمانية بأن معادلات النفوذ لا تُحسم داخل الإقليم فقط، بل أيضاً في بغداد.
وعليه، يصبح الهجوم جزءاً من استعراض القوة الذي يسبق عادةً تشكيل الحكومات في العراق، حيث تسعى كل جهة إلى تعزيز أوراقها التفاوضية قبل دخول غرف التفاهمات السياسية.
ولا يمكن فصل الهجوم عن التوترات الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة، ولا عن استهدافات متبادلة بين فصائل عراقية وقوات أميركية في مناطق متفرقة من البلاد. وبالنظر إلى أن حقل كورمور مرتبط بشركة إماراتية، وأن ملف الغاز الكردي جزء من تنافس أوسع بين إيران وتركيا والولايات المتحدة، فإن الهجوم يحمل بُعداً إقليمياً واضحاً يتمثل في الضغط على الحلفاء الغربيين عبر ضرب مواقع ترتبط بدولهم أو شركاتهم.
كما تشير الرسالة الى التأكيد أن خطوط الغاز في كردستان قابلة للتعطيل في أي لحظة، وأن الأمن الاستثماري مرتبط مباشرة بحسابات القوى التي لا تكتفي بالحدود السياسية للدولة.