قرطاج السينمائي يستعد لافتتاح دورة غنية تضم سينماءات العالم
تونس - تستعدّ تونس لاحتضان الدورة السادسة والثلاثين من أيام قرطاج السينمائية من 13 إلى 20 ديسمبر/كانون الأول الجاري، في موعد يعدّ - وفق ما كشفت عنه هيئة المهرجان خلال الندوة الصحفية المنعقدة يوم الخميس - الأكثر انفتاحاً وتنوّعاً في تاريخ التظاهرة، مع الحفاظ على جوهرها الأصلي كأحد أهم الفضاءات الداعمة للسينما العربية والأفريقية ذات النزعة التقدمية.
وفي مداخلته، شدّد مدير الدورة طارق بن شعبان على أن المهرجان يواصل ترسيخ توجهاته الفنية التي صاغت تاريخه، عبر المحافظة على أقسامه التقليدية، وفي مقدمتها مسابقات الروائي الطويل والوثائقي والقصير، إلى جانب قسم "قرطاج للسينما الواعدة" المخصّص لاكتشاف تجارب سينمائية ناشئة من مختلف مدارس العالم. كما أعلن عن برنامج ثريّ للتكريمات يشمل أسماء بارزة من المنطقة والعالم، من بينها المخرج الجزائري الكبير محمد الأخضر حمينة، والمالي سليمان سيسيه، والسينمائي البينيني بولان سوما نوفيرا، إضافة إلى المنتج التونسي عبدالعزيز بن ملوكة، مؤكداً توسيع مساحة حضور الشباب في مختلف الأقسام.
وكشف بن شعبان عن تركيز خاص هذا العام على العلاقة بين السينما والبيئة، من خلال قسم "السينما الخضراء"، الذي يعرض أعمالاً تتناول قضايا بيئية من زوايا متعددة. ومن أبرز هذه الأعمال فيلم "ارتداد ذري" لرشيد بوشارب، الذي يعيد فتح ملف التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية وانعكاساتها الممتدة لعقود. كما ينظم المهرجان مائدة مستديرة بعنوان "السينما العربية الجديدة"، تعيد طرح الأسئلة القديمة – المتجددة حول مستقبل السينما العربية في زمن التحولات الرقمية وتغيّر أنماط التلقي.
ومن جهته، شدد شاكر الشيخي، المكلّف بتسيير المركز الوطني للسينما والصورة، على أن أيام قرطاج السينمائية، التي تستعد العام المقبل للاحتفال بستة عقود من تأسيسها، لعبت دوراً جوهرياً في بروز شركات إنتاج ومواهب تونسية حققت حضوراً دولياً لافتاً. وكشف أن ميزانية دورة هذا العام تبلغ 3.8 مليون دينار، منها 3 ملايين دينار مساهمة من وزارة الشؤون الثقافية، مؤكداً أن أسعار التذاكر ستكون رمزية 5 و6 دنانير و3 دنانير للطلبة (ما يعادل 1.70 و2.04 و1.02 دولار أميركي) بهدف تشجيع حضور جماهيري أوسع.
تشهد المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة مشاركة واسعة من دول أفريقية وعربية، من نيجيريا والسودان والعراق والسعودية ومصر وبوركينا فاسو وفلسطين، إلى جانب حضور تونسي بثلاثة أعمال: "سماء بلا أرض" لأريج السحيري، "صوت هند رجب" لكوثر بن هنية، و"وين يأخذنا الريح" لآمال قلاتي. وترأس لجنة التحكيم المخرجة الفلسطينية نجوى نجار.
أما مسابقة الوثائقي الطويل، فتضم 12 فيلماً من السنغال ومصر والأردن وبوركينا فاسو والعراق والكونغو، إضافة إلى ثلاثة أفلام تونسية: "الگنّة" لمجدي الأخضر، "زرّيعتنا" لأنيس لسود، و"فوق التل" لبلحسن حندوس. وتترأس لجنة التحكيم المخرجة التونسية رجاء عماري.
وتسجّل مسابقة الأفلام القصيرة حضوراً لافتاً من لبنان وجنوب أفريقيا ومصر والجزائر والسنغال وفلسطين وسوريا وتونس، برئاسة المخرج العراقي حكمت البيضاني.
أما برنامج "قرطاج للمحترفين"، الذي يمتد من 15 إلى 18 ديسمبر/كانون الأول الجاري، فيقدّم مشاريع مختارة ضمن ورشتي "تكميل" و"شبكة"، موجهة لدعم مواهب عربية وأفريقية صاعدة.
وتحضر القضية الفلسطينية هذا العام بقوة؛ إذ يُعرض الوثائقي "من المسافة الصفر" لرشيد مشهراوي، المصوّر خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عقب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينما يُفتتح المهرجان بالفيلم الروائي "فلسطين 36" لآن ماري جاسر، المرشح لتمثيل فلسطين في أوسكار 2026. ويؤكد ذلك استمرار تقليد قرطاج في دعم السينما المقاومة والسينما ذات الرسالة الإنسانية.
وتمنح الدورة حيّزاً واسعاً لسينماءات عالمية عديدة، من بينها السينما الأرمنية بأعمال تستكشف الذاكرة والهوية، والسينما الفلبينية بخمسة من أبرز إنتاجاتها الحديثة، إضافة إلى السينما الإسبانية والأميركية اللاتينية التي تحضر بأفلام تعالج الذاكرة الشعبية وحركات التحرر.
وتحتفي أيام قرطاج في هذه الدورة برموز ساهموا في كتابة تاريخ الفن السابع، من بينهم الراحل التونسي محمد فاضل الجزيري بعرض نسخة مرممة من "العرس" وفيلم "عبور" لمحمود بن محمود، كما تُكرّم السينمائي البينيني بولان سوما نوفيرا في مئوية ميلاده، والمخرج المالي سليمان سيسيه مع عرض ثلاثة من أعماله وفيلم لابنته فاتو سيسيه. وتحضر أيضاً الممثلة العالمية كلوديا كاردينالي بثلاثة من أبرز أفلامها، إلى جانب فيلم وثائقي يستعيد مسيرة الناقد الراحل وليد شميّط، فضلاً عن احتفاء خاص بالمخرج التونسي محمود بن محمود من خلال عرض ستة من أفلامه وتنظيم لقاء مهني حول تجربته.
وتواصل التظاهرة أقسامها القارة التي باتت جزءاً من هويتها، على غرار أيام قرطاج السينمائية في السجون (دورتها الحادية عشرة)، وفي الثكنات (الدورة الرابعة)، إلى جانب برمجة الجهات التي تزور هذا العام مدن فرنانة وسليمان وسيدي بوعلي وغنوش وقفصة. كما يتضمن البرنامج سلسلة من اللقاءات وتقديم كتب جديدة مرتبطة بعالم السينما وصناعتها.
ومهرجان أيام قرطاج السينمائي تأسس في العام 1966، وكان يقام كل عامين بالتداول مع أيام قرطاج المسرحي، قبل أن يصبح تظاهرة سنوية.