غربال الجوائز.. ما الذي يبقى ولماذا؟

فهم الجوائز الأدبية ولوائحها لا يتم عبر قراءة النصوص الفائزة، بل عبر تفكيك تركيبة لجان التحكيم، التي تحدد معايير "الأدبيّ" وفق حساسيتها وذائقتها الخاصة وتوازنات المصالح الخفية.

"إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا، يجب أن نعرف ماذا في البرازيل". هكذا كان يقول الفنان السوريّ الراحل نهاد قلعي (حسني البورظان). جملة عابرة في ظاهرها، حادّة في جوهرها، تكشف كيف تُفهم الوقائع عبر ما يُدار خارجها، وكيف تُقرأ النتائج من خلال خرائط خفية لا تظهر في العناوين.

وعلى القياس نفسه يمكن النظر إلى الجوائز الأدبية. من يريد فهم لوائحها، ومساراتها، ومنطقها الداخلي، وما يُدار في دهاليزها من توازنات وحسابات وتقاطعات مصالح، عليه أن يبدأ من لجان التحكيم قبل أن يقترب من الروايات. هناك، في تركيبة اللجنة، تتحدد زاوية الرؤية، ويُرسم سقف المقبول، ويُعرّف "لأدبيّ" وفق حساسية بعينها، لا وفق معيار كوني أو مقياس جمالي جامع.

اللائحة الطويلة أو القصيرة لا تقول إنّ هذه الروايات هي ذروة ما كُتب في عامها، ولا تعلن تفوقها المطلق على ما عداها. ما تقوله، بوضوح لمن يريد أن يرى، أنها الروايات الأكثر انسجاماً مع ذائقة هذه اللجنة تحديداً، ومع تصوّراتها المسبقة عن الأدب، ومع أسئلتها، وقلقها، ومناطق ارتياحها. الغربلة هنا عملية ذهنية وثقافية، محكومة بخلفيات، وتجارب، ومواقف، وأحياناً بحساسيات شخصية أو حسابات غير معلنة.

لهذا، حين تُقرأ النتائج خارج هذا السياق، يبدو المشهد غامضاً أو صادماً. وحين تُقرأ من داخله، يغدو متوقعاً إلى حدّ الملل. الأسماء، حين تُفكّك، تشرح الاختيارات أكثر مما تشرحها البيانات الصحافية. السِيَر، والميول النقدية، والعلاقات الثقافية، وما يمكن وصفه بالفساد الثقافيّ، تكشف المسار الذي ستسلكه الجائزة قبل أن تُعلن عنه.

ومن هنا يمكن فهم ظاهرة تتكرر كثيراً: روايات تتقدّم في الجوائز، تُحتفى بها إعلامياً، ثم ما إن تُترجم أو تنتشر خارج سياقها المحلي، حتى تبدأ في التفكك تحت مجهر القراءة الواسعة والنقد المتخصص. عندها تظهر هشاشة البناء، أو فقر اللغة، أو محدودية الرؤية، أو افتعال الأسئلة. ما صمد داخل غرفة التحكيم، يتعثر في فضاء أوسع، حيث تتعدد الأذواق، وتتقاطع المرجعيات، ويُختبر النص بعيداً عن الحماية الرمزية للجائزة.

وكي يكتمل المشهد، لا بدّ من المرور على تلك اللغة المطّاطة الجاهزة، التي تُسحب من الدرج كل عام، وتُفرد على الطاولة، ثم تُفصَّل بالمقاس لتناسب هذه الرواية أو تلك، من دون عناء يُذكر. لغة تصلح لكل المناسبات، ولكل القوائم، ولكل اللجان، من المحيط إلى الخليج، ومن عام إلى عام، مع تغيير طفيف في ترتيب الكلمات، كمن يبدّل ربطة العنق لا أكثر.

ستقرأ دائماً أن القائمة "مرآة مصغّرة للمشهد الأدبي العربي"، وأنها تحتفي "بالغنى والتنوّع"، وكأن الفقر والتشابه كانا يوماً خياراً معلناً. ستُقال لك إن الشخصيات "مميّزة ولا تُنسى"، حتى قبل أن تُنسى فعلياً بعد أشهر قليلة. وستُستدعى الأزمات النفسية بوصفها جواز مرور مضموناً، مع وعدٍ باستكشاف الداخل الإنساني العميق، ذلك الداخل الذي صار واسعاً إلى حدّ يسمح بمرور الجميع من دون تفتيش.

التاريخ حاضر دائماً، قريباً أو بعيداً، يُستدعى "بحيوية لافتة"، ويُفحص صداه في الحاضر، حتى لو بدا الصدى باهتاً أو مستعاراً. الهوية أيضاً حاضرة، في الحرب، وفي الهجرة، وفي الثورة، وفي أي سياق متاح، تماماً كما تحضر الواقعية حين يلزم، ويتسلّل "تمييع الحدود" بين الواقعي والاستثنائي حين يصبح التوصيف أكثر صعوبة.

وإن ضاق الخناق، يُفتح باب تقني واسع: تعدّد أصوات، تيار وعي، بنى مجزّأة، نسبية الكون، المكبوت والمسكوت عنه. مفردات لا تخذل مستخدمها أبداً، لأنها لا تقول شيئاً محدداً، ولا تُلزم صاحبها بشيء. يكفي أن تُلقى في الهواء لتصنع انطباعاً بالعمق، وتوحي بأن النصوص “تغوص في النفس البشرية”، حتى لو بقيت عند مستوى السطح.

ثم تأتي الخلاصة الكبرى: العودة إلى الماضي. دائماً هناك ماضٍ يُستعاد، وحاضر متصدّع، وديستوبيا تُحاصر الجميع، من دون أن تكون نوستالجيا، طبعاً. الماضي هنا أداة تفسير جاهزة، والحاضر كتلة خيبة قابلة لإعادة التدوير سنوياً. وفي النهاية، تلتقي الأصوات كلها في همسة واحدة عابرة للحدود: المعاناة مشتركة، السؤال واحد، والانتظار طويل.

هذا النوع من الكلام لا يخطئ، لأنه لا يغامر. يمكن لصقه بأي قائمة، وفي أي دورة، ومن دون أن يجرح أحداً. وهو، في جوهره، يشرح البلاغة التي تُدار بها الجوائز أكثر مما يشرح الروايات نفسها. لغة مطمئنة، مهذبة، خالية من المخاطرة، تصلح لأن تكون بياناً دائماً، يُعاد استخدامه كل عام، مع الاحتفاظ بنفس الثقة، ونفس الجدية، ونفس الوعد المؤجّل بأن الأدب ما زال قادراً على قول شيء… في وقت لاحق.

هذا لا يعني غياب أعمال قوية عن الجوائز، ولا ينفي وجود روايات تستحق ما نالته. لكنّه يضع الأمور في حجمها الطبيعي: الجائزة تصادق على خيار لجنة، لا على حكم نهائي في تاريخ الأدب. وما يُرفع إلى المنصّة اليوم قد يعود إلى مكانه العادي غداً، حين يُقرأ من دون هالة، ومن دون لافتة، ومن دون درع مؤسساتي.

لهذا، من الحكمة قراءة الجوائز بعين باردة، ومتابعتها من دون انبهار أو خيبة زائدة. دفتر ملاحظات صغير، وذاكرة يقظة، كافيان لفهم اللعبة. في معظم الجوائز، الروايات تمرّ من بوابة اللجان، واللجان نادراً ما تمرّ من امتحان الروايات على المدى الطويل. الزمن وحده، حين يهدأ الضجيج، يتكفّل بالباقي.