سوريا ما بعد الأسد في مواجهة إرث الكبتاغون
دمشق - في مؤشر جديد على تعقيدات مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، أعلنت السلطات الأمنية السورية، هذا الأسبوع، عن ضبط شحنة ضخمة من مخدر الكبتاغون في محافظة حماة وسط البلاد، في عملية تعكس أن تجارة المخدرات لم تنتهِ بسقوط رأس النظام، بل ما تزال شبكات متفرقة تنشط في هذا المجال، مستفيدة من تراكمات سنوات طويلة من الفوضى والاقتصاد غير المشروع.
ووفق ما أوردته وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، أسفرت العملية الأمنية عن ضبط مليون و253 ألف حبة كبتاغون، والقبض على شخص متورط في حيازتها والاتجار بها، بعد عملية تعقب دقيقة نفذتها الأجهزة الأمنية المختصة. وأكد قائد الأمن الداخلي في حماة، العميد ملهم الشنتوت، أن الموقوف أُحيل مع المضبوطات إلى الجهات القضائية المختصة، مشددا على أن العملية تندرج ضمن "نهج حازم" تتبعه القيادة الأمنية لمكافحة آفة المخدرات وتجفيف مصادرها.
وتكتسب هذه العملية دلالة سياسية وأمنية تتجاوز بعدها الجنائي المباشر، إذ تأتي في سياق محاولات الإدارة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، إثبات قدرتها على إدارة ملف بالغ الحساسية داخليا وإقليميا، فالكبتاغون لم يكن مجرد نشاط إجرامي عابر خلال حكم الأسد، بل تحول إلى ركيزة أساسية في اقتصاد النظام المخلوع، ومصدرا رئيسيا لتمويل شبكات النفوذ والأجهزة الأمنية والميليشيات الموالية له.
وتشير تقديرات الحكومة البريطانية إلى أن نظام الأسد كان مسؤولا عن نحو 80 بالمئة من الإنتاج العالمي لمادة الكبتاغون، في وقت تُقدَّر فيه القيمة السنوية لتجارة هذا المخدر عالميا بنحو 10 مليارات دولار. وبحسب هذه التقديرات، كانت عائلة الأسد تحقق أرباحا سنوية تقارب 2.4 مليار دولار من هذه التجارة، ما يوضح حجم التشابك بين السلطة السياسية السابقة والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
لكن سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، ودخول الثوار إلى دمشق، لم يعنِ اختفاء هذه الشبكات تلقائيا، فسنوات من ترسيخ اقتصاد المخدرات خلّفت بنية تحتية معقدة، تضم معامل إنتاج وخطوط تهريب وشبكات حماية محلية وعابرة للحدود. وتواجه السلطة الجديدة اليوم معضلة حقيقية تتمثل في تفكيك هذه المنظومات دون الانزلاق إلى فراغ أمني أو صدامات واسعة قد تقوض الاستقرار الهش.
وتحاول إدارة أحمد الشرع تقديم مقاربة مزدوجة أمنية وقانونية من جهة، وسياسية ودبلوماسية من جهة أخرى، فالعمليات الأمنية المتلاحقة، مثل عملية حماة، تهدف إلى توجيه رسالة داخلية مفادها أن الدولة الجديدة لا تتسامح مع الجرائم المنظمة ولا تسمح بإعادة إنتاج اقتصاد الظل الذي غذّى النظام السابق. وفي الوقت نفسه، تسعى دمشق إلى إقناع المجتمع الدولي بأنها شريك جاد في مكافحة الجريمة العابرة للحدود، خصوصا تلك التي تهدد أمن واستقرار دول الجوار.
ويُنظر إلى ملف الكبتاغون باعتباره اختبارا مركزيا لصدقية السلطة الجديدة، خاصة أن هذا المخدر كان أحد أبرز مصادر التوتر بين سوريا ومحيطها العربي خلال السنوات الماضية. وتدرك القيادة الحالية أن أي تساهل أو فشل في هذا الملف سيقوض جهود إعادة تأهيل سوريا سياسيا واقتصاديا، ويعرقل مساعي رفع العقوبات واستعادة العلاقات الإقليمية.
ولا يمكن قراءة عملية ضبط شحنة الكبتاغون في حماة كحدث أمني معزول، بل كجزء من معركة أوسع تخوضها سوريا الجديدة ضد إرث ثقيل من الفساد والجريمة المنظمة. والمعركة لا تتعلق فقط بملاحقة المتورطين، بل بتجفيف منابع التمويل غير المشروع، وإعادة بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون، وإقناع الداخل والخارج بأن مرحلة "دولة المخدرات" قد انتهت فعلا، وليس خطابيا فحسب.