'صحفيًا في الجهات'.. حين تنزل الصحافة من المركز إلى الحياة

محمود حرشاني يقدم في كتابه تجربة صحفية توثيقية تستعيد صوت الجهات، وتعيد للصحافة دورها بوصفها ذاكرة وشهادة على الواقع التونسي.
نورة اليوسفي
تونس

في كتابه الجديد "صحفيًا في الجهات"، يواصل الصحفي والكاتب محمود حرشاني مشروعه التوثيقي الذي يجعل من الصحافة فعلَ ذاكرة قبل أن تكون مجرد مهنة. فالكتاب، الصادر ضمن منشورات مرآة الوسط، لا يقدّم مقالات وحوارات معزولة عن سياقها، بل يعيد الاعتبار إلى صحافة الجهات بوصفها مرآة حقيقية للمجتمع، وأداة لفهم التحولات الثقافية والسياسية والاجتماعية في تونس.

يضمّ الكتاب أكثر من مائة صفحة من المقالات والحوارات التي كُتبت من الميدان، لا من وراء المكاتب. نصوص تنطلق من المدن الداخلية، ومن الفضاءات الثقافية الهامشية، ومن تفاصيل الحياة اليومية التي غالبًا ما تغيب عن الصحافة المركزية. هنا لا تظهر الجهات كهوامش جغرافية، بل كمراكز للمعنى والتاريخ والذاكرة.

يتنقل الكاتب بين مواضيع متعددة: الثقافة، الإعلام، الذاكرة الوطنية، قضايا الهوية، وشهادات حيّة عن رموز فكرية وثقافية. كما يضمّ الكتاب حوارات معمّقة مع مؤرخين وكتّاب ومثقفين، تتحول فيها الأسئلة إلى مفاتيح لفهم أعمق للراهن التونسي، بعيدًا عن السطحية والاستسهال.

قيمة هذا العمل لا تكمن فقط في تنوع مضامينه، بل في نبرته الصادقة.

محمود حرشاني يكتب من موقع الصحفي الذي عاش التجربة، وعاين التحولات، ودفع ثمن الالتزام بالمهنة، لذلك تأتي النصوص محمّلة بذاكرة شخصية تتقاطع مع الذاكرة العامة، دون أن تتحول إلى سيرة ذاتية مغلقة.

"صحفيًا في الجهات" كتاب يذكّر بأن الصحافة، حين تكون وفية لدورها، لا تُختزل في الخبر العابر، بل تتحول إلى شهادة، وإلى كتابة تقاوم النسيان، وتعيد للجهات صوتها ومكانتها.

"صحفيًا في الجهات"… حين تصبح الصحافة شهادة على الهامش

لا ينطلق حرشاني من موقع التنظير، بل من التجربة المعاشة. ففي أكثر من نص، يذكّر بأن "الصحافة مهنة تتغذى من التعب، لكنها لا تزدهر إلا في مناخ الحرية"، معتبرًا أن الصحافة المكبّلة "لا تعيش ولا تستمر". ومن هذا المنطلق، تأتي مقالاته شاهدة على تحولات المشهد الإعلامي والثقافي، وعلى ما عرفته المهنة من عذابات وأسئلة كبرى.

الكتاب لا يكتفي بالمقال الصحفي، بل يضمّ حوارات معمّقة مع مؤرخين وكتّاب ومثقفين، تتحول فيها الأسئلة إلى مفاتيح لفهم التاريخ والراهن معًا. وفي أحد نصوصه، يكتب المؤلف: "الصحافة تأخذ من الأدب روح الخيال، لكنها تضيف إليه الانتصار للحقيقة"، وهو ما يفسّر الطابع السردي الهادئ الذي يميّز أغلب نصوص الكتاب.

كما يحتفي "صحفيًا في الجهات" بالذاكرة الثقافية، وبالإذاعة والمجلات ودورها في تشكيل الوعي، مستعيدًا أسماء وتجارب تركت أثرها، ومعبّرًا في الوقت نفسه عن وفاء واضح لزملاء المهنة الذين رحلوا. فالكتاب، في أحد أبعاده، تحية للصحافة الجادة التي تُنجز بعيدًا عن الأضواء.

ليس هذا العمل سيرة ذاتية بالمعنى المباشر، لكنه يلامس السيرة من خلال المهنة. إنه كتاب يراهن على أن الجهات ليست هامشًا، بل فضاء غنيًا بالقصص والمعاني، وعلى أن الصحافة، حين تُمارَس بصدق، تتحول إلى شهادة ضد النسيان.

"صحفيًا في الجهات"… حين تتحول الصحافة إلى ذاكرة حيّة

لا يقدّم كتاب "صحفيًا في الجهات" للصحفي والكاتب محمود حرشاني مجرد تجميع لمقالات وحوارات منشورة، بل يضع القارئ أمام تجربة صحفية كاملة تشكّلت خارج المركز، وفي تماس مباشر مع الواقع الثقافي والاجتماعي للجهات التونسية. الكتاب، الصادر ضمن منشورات مرآة الوسط، هو شهادة مهنية ووجدانية عن صحافة الميدان، وعن أدوارها حين تبتعد عن الضجيج وتقترب من الإنسان.

ينطلق حرشاني من قناعة راسخة عبّر عنها في أكثر من نص: "لا توجد في العالم مهنة يتورط فيها الإنسان وتجعله أسيرها مثل مهنة الصحافة". ومن هذا المنطلق، تأتي مقالاته محمّلة بذاكرة التجربة، وبأسئلة الحرية والمسؤولية وأخلاقيات المهنة. فالصحافة، كما يكتب، "لا يمكن أن تكون إلا حرّة، أما الصحافة المكبّلة بالأغلال فهي لا تعيش ولا تستمر".

كتاب

يتوزع الكتاب بين مقالات فكرية وثقافية، ونصوص تأملية في المهنة، وحوارات معمّقة مع مؤرخين وكتّاب ومثقفين. وهذه الحوارات لا تُدار بمنطق الاستعراض، بل بمنهجية تسعى إلى الفهم والتوثيق، وتمنح للكلمة قيمتها المعرفية. وفي أحد نصوصه، يذكّر المؤلف بأن "الصحافة تأخذ من الأدب روح الخيال، لكنها تضيف إليه الانتصار للحقيقة"، وهي معادلة تفسّر اللغة الهادئة والعميقة التي تميّز الكتاب.

كما يحتفي "صحفيًا في الجهات" بدور الإذاعة والمجلات الثقافية في تشكيل الوعي، مستعيدًا تجارب إعلامية تركت أثرها في الذاكرة الجماعية، ومبرزًا كيف كانت الصحافة، في مراحل كثيرة، "وسيلة كفاح" ورافعة ثقافية. ولا يخفي الكاتب قلقه مما آل إليه المشهد الإعلامي، متسائلًا عن جدوى صحافة تفقد صلتها بالميدان وبالناس.

الجهات، في هذا العمل، ليست خلفية جغرافية، بل هي قلب السرد. فهي الفضاء الذي تتقاطع فيه الثقافة بالتاريخ، واليومي بالوطني. ومن هنا يكتسب الكتاب قيمته التوثيقية، إذ يحوّل الهامش إلى مركز للمعنى، ويعيد الاعتبار لأصوات وتجارب غالبًا ما بقيت خارج الضوء.

"صحفيًا في الجهات"… الصحافة بوصفها معرفة وذاكرة وموقفًا

يكتب حرشاني من موقع الشاهد لا المراقب، ومن داخل التجربة لا من هوامشها. لذلك لا تفصل نصوصه بين الذاتي والمهني، ولا بين الثقافي واليومي. فالصحافة، كما يصرّح في أحد نصوصه، "مهنة يتورط فيها الإنسان وتجعله أسيرها"، وهي عبارة تختصر فلسفة الكتاب بأكمله. هذا "التورّط" هو ما يمنح النصوص صدقها، ويجعلها قادرة على مساءلة المهنة دون ادعاء أو خطابية.

في هذا العمل، تتحول الجهات من فضاء جغرافي مهمَّش إلى مركز للمعنى. فالكاتب لا يتعامل مع الداخل التونسي كخلفية للأحداث، بل كخزان للذاكرة الثقافية والاجتماعية، وكمجال خصب لإنتاج الأسئلة. ومن هنا، فإن "صحفيًا في الجهات" يعيد الاعتبار لصحافة القرب، تلك التي تلتقط التفاصيل الصغيرة وتمنحها دلالتها الكبرى، في زمن طغت فيه السرعة والاستهلاك على العمل الإعلامي.

يتوزع الكتاب بين مقالات تأملية في المهنة، ونصوص ثقافية، وحوارات معمقة مع مؤرخين وكتاب ومثقفين. وهذه الحوارات لا تُدار بمنطق الاستهلاك الإعلامي، بل تُبنى على خلفية معرفية واضحة، حيث يتحول السؤال إلى أداة تفكير. ويؤكد الكاتب في أحد مقاطعه أن "الصحافة تأخذ من الأدب روح الخيال، لكنها تضيف إليه الانتصار للحقيقة"، وهو ما يفسّر هذا المزج اللافت بين السرد والتحليل، وبين الحس الأدبي والدقة الصحفية.

كما يحتل موضوع الحرية موقعًا مركزيًا في الكتاب. فالصحافة، في تصور حرشاني، لا يمكن أن تكون محايدة تجاه القيم الكبرى. لذلك يكتب بوضوح: "الصحافة لا يمكن أن تكون إلا حرّة، أما الصحافة المكبّلة بالأغلال فهي لا تعيش ولا تستمر". هذا الموقف لا يأتي في سياق تنظيري، بل ينبع من تجربة عاشها الكاتب في الإذاعة والمجلة والجهة، حيث تتضاعف القيود وتتعاظم التحديات.

ولا يخلو الكتاب من بعد إنساني عميق، خاصة في نصوص الوفاء لزملاء المهنة الذين رحلوا، وفي استحضار مشقة العمل الصحفي. يقول حرشاني في عبارة دالة: "الصحافة مهنة تقتات من عذابات وأتعاب من يمتهنها"، وهي جملة تلخّص العلاقة الملتبسة بين الصحفي ومهنته، بين الشغف والكلفة.

"صحفيًا في الجهات" ليس سيرة ذاتية مكتملة، لكنه سيرة مهنية مكتوبة بحس ثقافي، ووعي تاريخي، وأخلاقيات واضحة. إنه كتاب يراهن على أن الصحافة يمكن أن تكون معرفة، وأن الكتابة الصحفية، حين تتأنّى وتفكّر، تتحول إلى شكل من أشكال مقاومة النسيان، وإلى فعل ثقافي بامتياز.

من هو الكاتب محمود حرشاني؟

كاتب وصحفي تونسي، من مواليد 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1955 بقرية الحرشان الواعرة. صحفي أول محترف منذ سنة 1981، حامل لبطاقة احتراف صحفي من الدولة التونسية. عضو باتحاد الكتاب التونسيين، قبل أن يتخلى عن عضويته ويؤسس جمعية النهوض بمجلة "مرآة الوسط" الثقافية. أعدّ وقدم عشرات البرامج الإذاعية والتلفزيونية. عمل مراسلًا غير مقيم لإذاعة "بي بي سي"، ومعدّ برامج بقناة "البوادي" التلفزيونية الكويتية. مكرّم من قبل مؤسستي التلفزيون التونسي والإذاعة التونسية.

كاتب روائي، أصدر روايات للكبار واليافعين، وقصصًا للأطفال. ويُعدّ كتابه "صحفيًا في الجهات" الجزء الثاني من كتابه "حياتي في الصحافة: من الهواية إلى الاحتراف". كما كُرّم من قبل مؤسسة الرئاسة التونسية بوسام الاستحقاق الوطني في قطاع الثقافة، بالدرجات الرابعة والثالثة والثانية.

من رواياته المنشورة: حدث في تلك الليلة - مرايا الروح - ولد الموجيرة - طريق الحرية - حكاية ولد اسمه منصور. وللأطفال: جُبّة أبي - سرّ ساكنة الجبل - مصلح ونور يستقبلان الربيع. وفي أدب الرحلات والمذكرات: مذكرات صحفي في الوطن العربي - دفتر سفر - عشرة أيام بين لندن وأكسفورد - الرحلة الجزائرية - حياتي في الصحافة: من الهواية إلى الاحتراف.