نهب الآثار العربية جريمة بلا تقادم

لم يكن استرجاع القطع الأثرية للعراق مجرد نجاح قانوني، بل انتصار رمزي لهوية حضارية حاولت الفوضى طمسها طويلًا.

بغداد ـ تُعدّ الدول العربية واحدة من أغنى مناطق العالم بالتراث الإنساني والحضاري، إذ تحتضن مواقع أثرية تعود لآلاف السنين، تمتد من وادي النيل في مصر، مرورًا ببلاد الرافدين في العراق وسوريا، وصولًا إلى حضارات الجزيرة العربية وشمال إفريقيا.

ويُشكّل هذا التراث ذاكرة الشعوب وهويتها الثقافية والتاريخية، وسجلًّا حيًّا لمسيرة الإنسان عبر العصور، غير أن هذه الثروة الحضارية واجهت، على مدى عقود، مخاطر جسيمة من النهب والسرقة والتهريب، تفاقمت بشكل حاد خلال فترات الاضطرابات السياسية، ولا سيما منذ عام 2011 مع اندلاع ما يُعرف بالربيع العربي.

حتى قبل تلك التحولات، كانت سرقة الآثار ظاهرة قائمة في عدد من الدول العربية، سواء عبر شبكات تهريب دولية منظمة، أو من خلال عمليات تنقيب غير شرعية، أو بسبب ضعف الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الإرث الثقافي.

وفي العراق على وجه الخصوص، بدأت هذه الظاهرة بالتصاعد منذ أواخر القرن العشرين، وتضاعفت وتيرتها مع تراجع الأوضاع الأمنية وازدهار الأسواق السوداء العالمية التي وجدت في الآثار العراقية سلعة نادرة عالية القيمة.

وأصبح العراق مثالًا صارخًا على حجم الكارثة، إذ تعرضت مواقع تاريخية كبرى مثل أور وبابل وأوروك ونمرود إلى عمليات نهب ممنهجة، استغلت هشاشة الرقابة وتواطؤ بعض الأطراف المحلية، فضلًا عن الفوضى التي سادت خلال فترات النزاع.

وتعود بعض عمليات التهريب إلى عقود مضت، حيث استقرت قطع عراقية نادرة في متاحف خاصة ومجموعات فردية وأسواق مزادات عالمية، إلى جانب آثار مسروقة من دول عربية أخرى.

وجاءت حرب عام 2003 على العراق لتشكّل واحدة من أخطر المحطات في تاريخ سرقة التراث الثقافي في المنطقة. ففي أعقاب الغزو، شهد المتحف الوطني العراقي في بغداد، إلى جانب مخازن ومواقع أثرية أخرى، نهبًا واسع النطاق أدى إلى فقدان مئات الآلاف من القطع الأثرية التي تعود إلى حضارات سومرية وبابلية وآشورية وإسلامية.

وقد وُثِّقت عمليات السلب أحيانًا تحت أنظار القوات الأجنبية، ما مثّل صدمة ثقافية عالمية، وخسارة لا تُقدَّر بثمن للإنسانية جمعاء.

ولم تتوقف الاعتداءات عند هذا الحد، إذ تعرضت مواقع أثرية أخرى للتخريب المتعمد خلال النزاعات المسلحة اللاحقة، كما لعب تنظيم داعش الإرهابي دورًا كارثيًا في تدمير ونهب التراث، لا سيما في محافظة نينوى والمناطق الآشورية والآرامية، حيث دمّر التنظيم معابد وتماثيل، وباع قطعًا أثرية في السوق السوداء لتمويل عملياته.

ومع اندلاع موجات الربيع العربي عام 2011، دخل ملف حماية التراث مرحلة أكثر تعقيدًا. فقد أدت الاضطرابات السياسية إلى إضعاف مؤسسات الدولة في عدد من البلدان، ما أتاح لعصابات التهريب والمجموعات المسلحة العمل بحرية أكبر داخل المواقع الأثرية.

وفي سوريا، تكرّر نهب المواقع وتهريب القطع عبر الحدود، بل وجرى تسويق بعضها عبر منصات التواصل الاجتماعي. وفي ليبيا، أدى انهيار منظومة الأمن بعد 2011 إلى نهب متاحف ومواقع أثرية، بينما سهّلت الحدود المفتوحة تهريب القطع إلى الخارج. ولم تكن مصر بمنأى عن هذه التحديات، إذ شهدت بعض المناطق الأثرية، خصوصًا في فترات الانفلات الأمني، أعمال تجريف واعتداء على مواقع تاريخية.

وترتبط ظاهرة سرقة الكنوز الأثرية بجملة من العوامل، أبرزها الفوضى الأمنية، وضعف التشريعات الرادعة أو آليات تنفيذها، إلى جانب الفقر وغياب الوعي لدى بعض المجتمعات المحلية، ما دفع بعض الأفراد إلى بيع ما يعثرون عليه من قطع أثرية مقابل مكاسب سريعة. كما لعب الطلب المتزايد من جامعي التحف والمتاحف الخاصة في الغرب دورًا أساسيًا في خلق سوق سوداء عالمية نشطة، تديرها شبكات عابرة للحدود.

ورغم هذه الصورة القاتمة، فإن السنوات الأخيرة شهدت تحولات إيجابية وجهودًا جادة لاستعادة التراث المنهوب، خاصة في العراق. فقد عملت الحكومة العراقية على تفعيل التعاون مع منظمات دولية مثل اليونسكو والإنتربول، إلى جانب السلطات القضائية في دول أوروبية وأميركية، لملاحقة القطع المهربة قانونيًا.

وأسفرت هذه الجهود عن استعادة أكثر من 23 ألف قطعة أثرية خلال الأعوام الماضية، من بينها ألواح مسمارية نادرة، وتماثيل، وأختام أسطوانية، وأجزاء من نصوص دينية وتاريخية مهمة.

ومن أبرز الإنجازات العراقية استعادة لوح حلم كلكامش الشهير من الولايات المتحدة، بعد معركة قانونية طويلة، إضافة إلى آلاف القطع التي أُعيدت من بريطانيا وإيطاليا وألمانيا والأردن ودول أخرى. كما عزز العراق تشريعاته الخاصة بحماية الآثار، وفرض عقوبات أشد على تهريبها، وأنشأ وحدات أمنية متخصصة لملاحقة المتاجرين بالتراث.

وإلى جانب ذلك، أُطلقت مبادرات وطنية لتوثيق المواقع المتضررة، وإعادة تأهيل المتاحف، وتعزيز دور المجتمعات المحلية في حماية التراث، باعتبارها خط الدفاع الأول عنه. كما شهدت السنوات الأخيرة توقيع اتفاقيات ثنائية مع عدد من الدول لضمان إعادة أي قطعة عراقية يُثبت تهريبها، سواء ظهرت في مزادات عالمية أو ضمن مجموعات خاصة.

اليوم، يرمز العراق إلى نموذج مزدوج: بلد دفع ثمنا باهظا لنهب تراثه، لكنه في الوقت ذاته أصبح مثالًا على إمكانية استعادة الذاكرة الثقافية بالإرادة السياسية والعمل القانوني والتعاون الدولي. ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا، فإن ما تحقق من إنجازات يؤكد أن حماية التراث ليست مهمة مستحيلة، بل مسؤولية جماعية تتطلب وعيًا مستدامًا، حتى تبقى كنوز الحضارة العربية شاهدًا حيًّا على تاريخ الإنسان، لا غنيمةً عابرة في أسواق الظلام.