أنقرة تُصر على السياسات المالية المتشددة متجاهلة العواقب

جودت يلماز مهندس السياسة الاقتصادية يتعهد بتعديلات طفيفة على البرنامج المالي، بينما يرى محللون في القرار ضبابية قد تعمق حالة عدم اليقين.

أنقرة - وسط ترقب حذر في الأوساط المالية، فجّر تأكيد جودت يلماز، نائب الرئيس التركي، على التزام أنقرة بمسار "التشديد النقدي والمالي"، موجة جديدة من التساؤلات حول مستقبل الاستقرار المعيشي والجاذبية الاستثمارية. وبينما تسوق الحكومة هذا النهج بوصفه "الدواء المر" الضروري للتضخم، يرى مراقبون أن الإصرار على هذه السياسة دون كوابح اجتماعية قد يحولها إلى "انتحار اقتصادي بطيء" يطحن الطبقة الوسطى ويهدد بهروب رؤوس الأموال الباحثة عن بيئات أكثر مرونة.

وأشار يلماز، المهندس الأول للسياسات الاقتصادية، إلى إمكانية إدخال "تعديلات طفيفة" على البرنامج دون المساس بجوهره. ورغم أن الحكومة تروم من هذه المرونة دعم الإنتاج، إلا أن المحللين يرون فيها "ضبابية" قد تعمق حالة عدم اليقين. فالمستثمر الأجنبي، وخاصة الصناديق السيادية والكبرى، يخشى أن تكون هذه التعديلات مقدمة لتقلبات مفاجئة، مما يدفعها للبحث عن أسواق أكثر استقراراً وأقل حدة في توجهاتها النقدية.

جمرة التضخم: صراع الأرقام والواقع المعيشي

منذ أكثر من عامين، تنتهج أنقرة سياسة متشددة قلصت السيولة في الأسواق، مما أدى إلى قفزة هائلة في تكاليف التمويل والاقتراض. ورغم تراجع التضخم إلى 31 بالمئة على أساس سنوي، إلا أن هذا الرقم لا يزال يشكل ضغطاً خانقاً على الشركات والأسر.

وتستهدف الحكومة خفض التضخم إلى 16 بالمئة بنهاية العام الجاري، وصولاً إلى 9 بالمئة في 2027. ويعيش الأتراك في دوامة غلاء ممنهج، مع تعثر الحصول على القروض السكنية أو الشخصية، مما أدى إلى تآكل الثقة الشعبية في "البرنامج الاقتصادي الجديد".

فخ النمو: هل تنجح "الجراحة القيصرية" للاقتصاد؟

أكد يلماز أن الحكومة تحاول تجنب "الهبوط السريع" للتضخم خوفاً من الإضرار بالنمو وفرص العمل. ولكن، بالنظر إلى المسار الحالي، يظهر التناقض بوضوح؛ فرفع البنك المركزي للفائدة، التي وصلت إلى 50 بالمئة قبل أن تتراجع إلى 38 بالمئة، خنق المحركات التقليدية للنمو التركي القائم على الاستهلاك والائتمان.

ويرى خبراء أن الإصرار على مواصلة التشديد دون حزم تحفيزية موازية للقطاعات الإنتاجية الحيوية، يضع تركيا أمام خطر "الركود التضخمي". فبينما تنجح السياسة نظرياً في كبح النقد، فإنها عملياً تُضعف قدرة المصدرين والمصنعين على المنافسة بسبب تكلفة التمويل الباهظة.

التحول الدراماتيكي

يأتي هذا المخاض كارتداد عن السياسات غير التقليدية التي انتهجتها أنقرة قبل عام 2023، والتي كانت تميل للتيسير المفرط لتحفيز النمو، مما تسبب حينها في انهيار تاريخي لليرة. وتحاول الحكومة حاليا معالجة "العجز المزمن" في ميزان المعاملات الجارية عبر تعزيز الصادرات، ووعد يلماز بتقديم "دعم انتقائي" لشركات بعينها، وهي خطوة يراها البعض محاولة لترميم التصدعات التي خلفها التشديد النقدي في جدار القطاع الخاص.

وتراهن تركيا على الربع الأول من العام لتحقيق تحسن ملموس في توقعات السوق. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو: هل يصمد الشارع التركي والقطاع الإنتاجي أمام هذه الضغوط حتى تتحقق الوعود الرقمية؟ أم أن الاستقرار المالي سيتحقق على أنقاض الاستقرار الاجتماعي؟