من صيدنايا إلى الشاشة: دراما الحقيقة

قراءة في تحوّل الدراما السورية من خطاب الصمت إلى سردية الشهادة، مع عودة الفنانين المغتربين وكسر المحرّمات القديمة.

دمشق - شكّلت الدراما السورية، على امتداد عقود، ظاهرة فنية وثقافية استثنائية في الفضاء العربي، ليس فقط من حيث الانتشار أو الجودة التقنية، بل بوصفها خطابًا نقديًا موازياً للتاريخ الاجتماعي والسياسي. فقد امتلكت هذه الدراما جرأة نادرة في مقاربة المسكوت عنه: الفقر، السلطة، القمع، الفساد، الهويات الهشّة، والانكسارات الفردية داخل بنية مجتمع مأزوم، حتى باتت مرآة دقيقة لتعقيدات الواقع السوري، وأداة وعي جماعي تتجاوز الترفيه إلى مساءلة الذات والسلطة معًا.

غير أن اندلاع الثورة السورية عام 2011 شكّل لحظة كسر كبرى في مسار هذه الصناعة. فالقمع الأمني والرقابة المشددة لم يكتفيا بتقييد النصوص، بل أعادا تشكيل المجال الفني برمّته؛ تشتّتت الكفاءات بين المنافي، دُمّرت البنية التحتية للإنتاج، وتحوّلت الدراما - في كثير من الحالات - إلى أداة تبريرية أو حيادية قسرية، فاقدةً لروحها النقدية التي صنعت مجدها السابق. هكذا، لم تكن الأزمة أزمة إنتاج فقط، بل أزمة معنى وهوية.

اليوم، ومع سقوط النظام، تقف الدراما السورية على أعتاب مرحلة مفصلية، لا تقل حساسية عن مرحلة الثورة ذاتها. فالتحدي لم يعد في القدرة على الكلام، بل في كيفية الكلام. عودة العديد من الفنانين المغتربين، كتّابًا وممثلين ومخرجين، لا تمثل مجرد استعادة لأسماء لامعة، بل عودة لذاكرة فنية منفية، وخبرات راكمت وعيًا مختلفًا بالعالم وبالدراما بوصفها فعل مقاومة رمزي.

الدراما المنتظرة في هذه المرحلة ليست دراما تصالحية سطحية، ولا خطابًا انتقاميًا مباشرًا، بل دراما مساءلة: تفكك بنية العنف، تعيد قراءة الألم، وتطرح أسئلة العدالة والذاكرة والشفاء الجمعي. إنها دراما ما بعد الصدمة، حيث يصبح السرد فعلًا أخلاقيًا، لا مجرد حبكة.

في هذا السياق، يبرز مسلسل "الخروج إلى البئر" كأحد أكثر الأعمال التشويقية المنتظرة دلالةً ورمزية. فالعمل يتناول، في إطار من الإثارة والتشويق، معاناة معتقلي سجن صيدنايا في حقبة نظام الأسد، مستندًا إلى قصص وتجارب واقعية تعكس قسوة الحياة خلف القضبان، لا بوصفها حدثًا عابرًا، بل كمنظومة تدمير منهجية للإنسان.

قوة المسلسل لا تكمن فقط في فضح بشاعة السجن، بل في تركيزه على التحولات النفسية والعاطفية التي يعيشها السجناء: كيف يُعاد تشكيل الإنسان داخل العتمة؟ وكيف يخرج من السجن وهو يحمل سجنه داخله؟ هنا تتحول الدراما إلى مساحة لفهم الأثر الممتد للتجربة الاعتقالية على ما بعد الحرية، وعلى العلاقات والهوية والذاكرة.

ويشارك في العمل نخبة من نجوم الدراما السورية والعربية، من بينهم جمال سليمان في دور "سلطان"، وكارمن لبس، ونضال نجم، وطلال مارديني، ونانسي خوري بشخصية "هنادي"، إلى جانب عبدالحكيم قطيفان، وروعة ياسين، وشادي الصفدي، وجفرا يونس، وواحة الراهب، وإليانا سعد التي تجسد "جواهر"، وجلال شموط، وآنا السيد في دور "ليلى". هذا الحضور الكثيف لا يُقرأ فقط كقيمة إنتاجية، بل كاستعادة لوجوه ارتبطت تاريخيًا بالدراما ذات الموقف.

النص من تأليف وسيناريو وحوار سامر رضوان، أحد أبرز كتّاب الدراما النقدية في سوريا، وإخراج محمد لطفي، ما يعزز الرهان على عمل لا يكتفي بالإدانة، بل يشتغل على العمق الإنساني والرمزي للتجربة.

ويأتي "الخروج إلى البئر" ضمن حزمة أعمال تراهن بها شركة ميتافورا للإنتاج الفني على موسم رمضاني مختلف، لا يقوم على الكم، بل على الرؤية، فإلى جانب هذا العمل، تقدم الشركة مسلسل "السوريون الأعداء"، وهو عمل درامي ضخم من ثلاثة مواسم، مقتبس عن رواية للكاتب فواز حداد، كتب السيناريو له نجيب نصير ورافي وهبة، وأخرجه الليث حجو. وهو مشروع يتكئ على تفكيك الصراعات السورية من منظور فكري وتاريخي، بعيدًا عن الاختزال.

كما تطرح الشركة الموسم الثالث من مسلسل "ما اختلفنا"، بإخراج وائل أبوشعر، وكتابة جماعية يشرف عليها زياد ساري، بمشاركة كتّاب بارزين مثل مازن طه، وكلوديا مارشيليان، ورانيا درويش. وهو عمل يراهن على الكوميديا النقدية بوصفها أداة تفكير، لا مجرد ضحك.

ما يجمع هذه الأعمال الثلاثة هو ارتكازها على رؤية فنية معاصرة تسعى إلى تجديد القالب الدرامي، سواء على مستوى السرد أو البناء أو اللغة البصرية. إنها دراما تحث المشاهد على التأمل والتفكير، وتدعوه إلى التفاعل لا الاستهلاك، مانحةً التجربة الدرامية بعدًا فكريًا وشعوريًا يتجاوز حدود الترفيه.

في المحصلة، تبدو الدراما السورية اليوم أمام فرصة تاريخية: أن تعيد تعريف ذاتها، لا بوصفها صناعة فقط، بل بوصفها ذاكرة جمعية حيّة، قادرة على المساهمة في بناء وعي ما بعد الاستبداد. النجاح هنا لن يُقاس بعدد المشاهدات، بل بقدرتها على أن تكون صادقة، شجاعة، ومخلصة لآلام الناس وأسئلتهم المؤجلة.