مشروع 'التواصل' لعبادي: حبل الوصل الأخير خلف قضبان الاحتلال
لم يكن اختيار مخيم بلاطة، ومدينة جنين مكانين لإطلاق الكتابين سوى دلالة رمزية استدعت استحضار دور المخيم والمدينة في الصمود تجاه ما تتعرض له الأرض الفلسطينية يومياً من إجراءات تعسفية تنفذها آليات الاحتلال ومستوطنوه، وفي ظل ما تشهده الحالة الثقافية من تراجع النشاطات الجماهيرية في فلسطين منذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الاول 2023 وما تبعها من حرب إبادة على قطاع غزة، جاءت هاتان الفعاليتان؛ لتكسرا حالة الركود الثقافي، وتؤكدان دور الكلمة في مواجهة محاولات المحو والنسيان.
وتبرهن هذه الفعاليات استمرارية مشروع عبادي التواصلي الذي لم ينقطع رغم التضييقات القانونية والأمنية، فالفعاليتان لم تكونا احتفاليتين بقدر ما كانتا جلستيْ مكاشفة ومناقشة لواقع يزداد تردياً خلف القضبان، حيث تحول الكتابة إلى "لسان حال الأسرى والأسيرات" الذين يعانون من عزل تام عن العالم الخارجي.
وافتتح مركز يافا الثقافي في مخيم بلاطة أولى فعالياته الثقافية للعام الجديد، يوم السبت 3/1/2026 بإطلاق كتاب "يوميات الزيارة والمزور- متنفس عبر القضبان" للكاتب والمحامي الحيفاوي حسن عبادي، وقد تولى عرافة هذه الفعالية الإعلامي أ. عبد الرحمن القوصيني؛ مبينا أهمية الكتاب، ومضيئا على أهم ما ورد فيه من أفكار.
وقدم ثلاثة من الأسرى المحررين ممن وثق الكاتب زياراته لهم شهاداتهم حول الكاتب والكتاب وهم: ياسر أبو بكر، وهيثم جابر، وقتيبة مسلم، وهم ممن تحرروا في صفقات طوفان الأقصى، وكانوا يقضون أحكاما عالية بالسجن.
وفي كلمة لرئيس مجلس إدارة مركز يافا الثقافي الأستاذ تيسر نصر الله أعلن فيها عن استقبال كتابات الأسرى والمحررين، ليكون هناك المزيد من إطلاق كتب خاصة بالأسرى والأسرى المحررين كأولوية خاصة لنشاطات المركز في العام الجديد.
وأكد نصر الله أهمية هذه الفعالية التي تحتفي بكاتب ومحامٍ جسد معاناة الأسرى إنسانياً، والإشادة بجهوده في هذا المجال، كما رحّب بالحضور والأسرى المحررين وأهاليهم وأهالي الأسرى الذين ما زالوا رابضين خلف القضبان، وبعث رسالة تحية وحب وتضامن مع الأسرى المبعدين المحررين في الصفقات الأخيرة.
وبيّن الأسير المحرر ياسر أبو بكر أبرز ما "يميز هذا الكتاب في أنه حوّل الزيارة إلى عرس؛ فالكتاب يوثق كيف تحولت زيارات حسن عبادي إلى منصات لإطلاق مبادرات رائدة مثل لكل أسير كتاب" و" من كل أسير كتاب"، والتي أدخلت آلاف الكتب للسجون وأخرجت عشرات الإصدارات للنور". وأشار أبو بكر كذلك إلى أن أسلوب عبادي في الكتاب لم يكن جافاً، بل إنه "كتب بقلب من يرى البرودة في "السماعة الصماء" والجفاء في "الحاجز الزجاجي"، لينقل لنا ابتسامات الأسرى وإصرارهم على الحياة رغم الإهمال الطبي ومعاناة "مقابر الأرقام".
وأما الأسير المحرر هيثم جابر فاستفاض في الحديث حول أهمية زيارة المحامي حسن عبادي للأسرى، في وقت عصيب كان الأسرى يعانون فيه من الظلم والظلام والانقطاع عن العالم الخارجي، مفضلا زيارات عبادي على زيارات غيره من المحامين الذين كان الأسرى يرفضون أحيانا زياراتهم، لأنهم لا يبدون اهتماما إنسانيا بهم كما كان يفعل عبادي.
في حين استذكر الأسير المحرر قتيبة مسلم تجربة السجن وعلاقات الكاتب بالأسرى، والمعاناة التي عاشوها في السجن حيث قدم الأسرى من لحمهم ودمهم ثمنا للحرية.
كما شهد مركز الطفل الثقافي في مدينة جنين وبدعوة وتنظيم من منتدى الأديبات الفلسطينيات (مدى)، يوم السبت الموافق 10/1/2026، حدثاً ثقافياً ووطنياً مشابهاً؛ تمثل في إطلاق ومناقشة كتاب "زهرات في قلب الجحيم" للمؤلف عبّادي في فعالية جمعت بين البعد الأدبي والشهادة الحقوقية والوجدانية، وقد تولت كل من الدكتورة عائدة أبو فرحة والكاتبة سعاد شواهنة عرافتها.
وفي كلمة للباحث عمر عبدالرحمن بيّن فيها أهمية توثيق اللقاءات بالأسرى كفعل مقاوم للنسيان، في حين تحدثت الأسيرات المحررات فلسطين أبو سلامة، ومنى قعدان، وتحرير أبو سرية عن الأثر النفسي والعملي لزيارات المحامي حسن عبادي، وأكدن أن هذه الزيارات التي تنفذ بشكل تطوعي، تمثل "النفَس" الذي يربط الأسيرة بعائلتها في ظل غياب الزيارات الرسمية وتعطل دور المؤسسات الدولية مثل الصليب الأحمر.
وأشارت ولاء صوالحة، باسم أهالي الأسرى، إلى أن المحامي عبادي هو "صوت الأسيرة" الذي يحمل رسائل الأهالي وصور الأبناء، مما يحول لحظة الزيارة إلى حالة من الفرح الممزوج بدموع الشوق.
وسلطت الفعالية الضوء على التدهور غير المسبوق في ظروف الأسيرات بعد السابع من أكتوبر 2023، فقد تحول سجن الدامون إلى بيئة لا إنسانية تتسم بالاكتظاظ الشديد، حيث تقبع ثماني أسيرات في غرفة واحدة، وتضطر نصفهن للنوم على الأرض في ظروف تسودها الرطوبة والعفن، عدا سياسة التجويع المتمثلة في تقديم وجبات طعام شحيحة ومراقبة وزنها بدقة لمنع أي زيادة، والحرمان من النظافة، والتعذيب بالبرد، والعزل والتفتيش العاري.
وفي كلمة للمؤلف حسن عبادي شكر فيها مركز يافا الثقافي ومنتدى الأديبات الفلسطينيات مشددا على أهمية أن يكون انطلاق الكتابين في مخيم بلاطة وفي مدينة جنين؛ لأنه يحمل دلالات سياسية ووطنية مهمة، كما تحدث عن بعض كواليس التجربة في زيارة الأسرى وهذا المشروع الممتد الذي يركز على الأسير نفسه، ومن أجل ذلك كان لا بد من أن تكون صور الأسرى الذين اشتمل كتاب "يوميات الزيارة والمزور" على معاناتهم على غلاف الكتاب وهم (70) أسيراً، وأكد أن مشروعه التواصلي يستهدف "الكل الفلسطيني" دون استثناء، جغرافياً أو فصائلياً، ويهدف المشروع إلى "أنسنة" القضية وتحويل الأسير والأسيرة من مجرد رقم إلى حكاية إنسانية نابضة بالآمال والآلام.
وأشار عبادي كذلك إلى أن هذا الجهد يهدف أيضاً إلى "تدويل" قضية الأسرى والأسيرات عبر الكتابة عنهم والتشبيك مع وسائل الإعلام العالمية والفعاليات العالمي؛ ومن أهمها "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين".
وقد تعددت المشاركات في هذه التظاهرة الوطنية الإنسانية، لتعكس تكامل الأدوار في دعم الحركة الأسيرة، فقدم الشاعر سائد أبو عبيد قصيدة تضامنية، وقرأت الشاعرة دلال عتيق نصا آخر، رسمت فيه ملامح الحنين والتحدي، في حين تحدث محمود قواريق، وهو والد شبل في الأسر، عن أهمية مشروع عبادي في ظل "غياب المؤسسات" الرسمية، معتبراً إياه حبل الوصل الوحيد المتبقي، وشددت سحر أبو زينة ووائل محيي الدين وعاهد شعبان على ضرورة هذا النوع من الكتابة حيث التوثيق الإنساني، كأداة قانونية وأدبية لمواجهة سياسات الاحتلال.
وقد حضر هذين النشاطين جمع غفير من الكتاب والمثقفين والأسرى المحررين، وذويهم وعدد من وسائل الإعلام. وقد أكدت المشاركة الواسعة التضامن الاجتماعي مع قضايا الأسرى، ويبعث رسائل صمود وتحدٍ، ترى أن كل ورقة تخرج من السجن هي انتصار على السجان، وكل نشاط من هذا النوع يجعل قضية الأسرى حية ودائمة الحضور في الوجدان الجمعي الفلسطيني، وتذكير بمعاناة الأسرى جميعهم نساء ورجالا، ما يستدعي التحرك العاجل لإنقاذهم من عمليات التعذيب الممنهجة التي تفضي أحيانا إلى إزهاق أرواحهم، أو على الأقل جعلتهم أشباحاً بسبب سياسات التجويع داخل السجون.
وقبل توقيع المؤلف نسخا من كتابيه للجمهور، وفي لفتة إنسانية تحمل الاعتراف بالجميل وتقديرا لجهود المؤلف والمحامي حسن عبادي على المستوى الإنساني والوطني، فقد كرّم أهالي الأسرى والجهات المنظمة للفعاليات الثقافية الكاتب في خطوة تعكس الانحياز للدور الوطني الذي يؤديه عبادي في هذا الظرف العصيب الذي يمرّ فيه الشعب الفلسطيني.
ومن الجدير بالذكر أن الكتابين: "يوميات الزيارة والمزور" و"زهرات في قلب الجحيم" صدرا عام 2024، عن دار الرعاة وجسور ثقافية في رام الله وعمان، وضم الأول (63) حلقة من حلقات "متنفس عبر القضبان"، واشتمل على زياراته لهؤلاء الأسرى التي تمت قبل السابع من أكتوبر، في حين خصص عبادي كتابه الثاني لتوثيق زياراته للأسيرات الفلسطينيات في سجن "الدامون"، في الفترة ما بين مايو/أيار 2021 وشباط/كانون الثاني 2024، لخمس وسبعين أسيرة.