ضياء العزاوي يحصد جائزة نجيب فاضل
إسطنبول ـ توّج الفنان التشكيلي العراقي الكبير ضياء العزاوي بجائزة نجيب فاضل الدولية الثانية عشرة للثقافة والفنون، تقديراً لمسيرته الإبداعية الطويلة وأعماله التي نجحت في المزج بين الفن العربي الحديث وأسئلة الحرب والمنفى والذاكرة والهوية.
ويُعد هذا التتويج محطة جديدة في مسار فنان كرّس أكثر من ستة عقود لتحويل الألم الفردي والجماعي إلى لغة بصرية كونية، قادرة على مخاطبة الضمير الإنساني أينما كان.
وتُمنح جائزة نجيب فاضل، التي تحمل اسم أحد أبرز رموز الفكر والأدب في تركيا والعالم الإسلامي، للأعمال الثقافية والفنية التي تجمع بين الإبداع والقيمة الأخلاقية والبعد الإنساني.
وأكدت لجنة التحكيم أن ضياء العزاوي استطاع إعادة صياغة مفهوم الفن العربي الحديث، من دون القطيعة مع الجذور، مقدّماً تجربة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وتحوّل اللوحة إلى مساحة للتأمل في العدالة والذاكرة والمصير الإنساني.
وأهدى العزاوي الجائزة إلى المقاومة الفلسطينية، في لفتة تعبّر عن انحيازه الدائم لقضايا الحرية والكرامة الإنسانية، مؤكداً أن الفن لا يمكن أن يكون محايداً أمام المأساة. ويُعد هذا التكريم الجائزة الرابعة التي يحصل عليها الفنان العراقي خلال السنوات الأربع الأخيرة، ما يعكس الحضور المتجدد لتجربته على الساحة الفنية الدولية.
ووُلد ضياء العزاوي عام 1939، في زمن كانت فيه المدينة تعيش ذروة حراكها الثقافي والفني. ودرس الآثار في جامعة بغداد، وهو خيار لم يكن عابراً في مسيرته، بل شكّل أحد المفاتيح الأساسية لفهم عالمه التشكيلي. فالعزاوي لم يتعامل مع التراث بوصفه مخزوناً زخرفياً، بل باعتباره ذاكرة حضارية حيّة، تمتد من حضارات وادي الرافدين إلى الثقافة العربية والإسلامية، وتبحث عن حضورها في الزمن المعاصر.
وفي ستينيات القرن الماضي، كان العزاوي منخرطاً في جماعة “الرؤية الجديدة”، التي سعت إلى تجاوز القوالب الأكاديمية الجامدة، والبحث عن لغة تشكيلية حديثة تستلهم التراث من دون استنساخه. ومنذ تلك المرحلة المبكرة، بدا واضحاً أن الفنان لا يطارد الجمال السطحي، بل ينشغل بالسؤال: ماذا يمكن للفن أن يقول في مواجهة العنف والتهميش والنسيان؟
وشكّل انتقال ضياء العزاوي إلى لندن في سبعينيات القرن الماضي منعطفاً حاسماً في تجربته، فالمنفى، بالنسبة إليه، لم يكن مجرد ابتعاد مكاني عن الوطن، بل حالة وجودية مركبة، انعكست بقوة في أعماله.
وفي لوحاته، يظهر المنفى بوصفه جرحاً مفتوحاً، وقلقاً دائماً، لا كحنين رومانسي أو نوستالجيا عاطفية، هذا الشعور بالاقتلاع تحوّل إلى طاقة إبداعية، دفعت أعماله نحو مزيد من الكثافة والصدق.
واحتلت الحروب التي عصفت بالعراق والمنطقة العربية مكانة مركزية في تجربة العزاوي، المجازر، المدن المدمّرة، الأجساد المتشظية، والوجوه الصارخة بلا صوت، كلها عناصر حضرت بقوة في أعماله. غير أن الفنان تجنّب الوقوع في المباشرة أو التقريرية، معتمداً على الرمز والتجريد، ليحوّل المأساة إلى لغة بصرية عالمية.
وتُعد أعماله حول مجزرة صبرا وشاتيلا من أبرز المحطات في الفن التشكيلي العربي، لما تحمله من شحنة أخلاقية وإنسانية عالية.
ويصعب تصنيف ضياء العزاوي ضمن مدرسة فنية واحدة. فهو يتنقّل بحرية بين التجريد والتعبيرية والحروفية، من دون أن يفقد هويته الخاصة.
ويحتل الحرف العربي مكانة محورية في أعماله، لكنه لا يظهر كعنصر زخرفي، بل كجسد بصري مستقل، يحمل ذاكرة اللغة وقوة المعنى. الحرف، عند العزاوي، يتحوّل إلى صرخة، أو أثر، أو شاهد على ما جرى.
أما الألوان في لوحاته، فغالباً ما تأتي حادّة ومتوترة، تعكس صراعاً داخلياً بين العنف والجمال. يهيمن الأحمر والأسود في كثير من أعماله، في إحالة مباشرة إلى الدم والموت، فيما تظهر ألوان أخرى كمساحات مقاومة، أو كمحاولات لاستعادة التوازن وسط الفوضى.
وكان ضياء العزاوي إلى جانب كونه فنان مرسم، كان أيضاً مثقفاً وناشراً، وأسّس في لندن دار نشر فنية متخصصة، أسهمت في تعريف الجمهور الغربي بالفن العربي الحديث. كما ارتبط بعلاقات إبداعية وثيقة مع شعراء عرب كبار، مثل محمود درويش وأدونيس، حيث تحوّلت القصيدة إلى لوحة، واللوحة إلى نص بصري موازٍ، في حوار خلاّق بين الكلمة والصورة.
وما يميّز تجربة العزاوي هو استمراريتها ورفضها للركود، لم يقع في فخ التكرار، ولم يهادن السوق أو الذائقة السهلة، كل مرحلة من مسيرته تحمل تطوراً فكرياً وجمالياً، حتى وإن حافظ على ثوابته الأساسية.
وقد يرى بعض النقاد أن كثافة الرموز في أعماله تُربك المتلقي غير المتخصص، لكن هذا التعقيد ذاته هو ما يمنح تجربته عمقها وفرادتها.
اليوم، يُنظر إلى ضياء العزاوي بوصفه أحد أعمدة الفن التشكيلي العربي المعاصر. أعماله معروضة في متاحف ومجموعات عالمية، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على حفظ الذاكرة ومقاومة النسيان.
لقد حوّل المأساة إلى فعل إبداعي، والمنفى إلى مساحة للتأمل، والحرف العربي إلى لغة كونية.
تبدو جائزة نجيب فاضل اعترافاً متأخراً، لكنه مستحق، بفنان آمن دائماً بأن الفن، في جوهره، فعل مقاومة وجمال في آن واحد.




