عندما تتحول أميركا من جمهورية إلى إمبراطورية؟!
في أميركا يعلو الهمس ليصبح صخبًا شيئًا فشيئًا، فهم يعتبرون أن سبب تشوّش العالم هو أن أميركا تتحول من جمهورية إلى إمبراطورية، وهذا هو المسار الطبيعي للتاريخ؛ فقد حدث من قبل في روما، التي تحولت من جمهورية ديمقراطية يحكمها السيناتورات والمجلس بالقانون إلى إمبراطورية يتمتع الإمبراطور فيها بسلطة مطلقة.
في عام 49 قبل الميلاد عبر يوليوس قيصر بجيشه نهر الروبيكون، وهو الحد الذي يقف عنده الجنرالات ويدخلون روما من دون الجيش حسب القانون، لضمان سلامة روما من الانقلابات. وفي لحظة تاريخية عبر يوليوس قيصر بجيشه نهر الروبيكون وقال كلمته الشهيرة the die is castبمعنى أن القرار اتُّخذ ولا رجعة فيه.
سيطر يوليوس قيصر على روما بالقوة، ولكن المأساة أن المجلس البرلماني تآمر عليه وقتله غدرًا دفاعًا عن الجمهورية والديمقراطية. والنتيجة أن روما تحولت إلى إمبراطورية، واعتُبر ابن يوليوس قيصر بالتبني، أغسطس، أول إمبراطور روماني بسبب تعاطف الشعب مع القائد يوليوس قيصر ضد الخيانة والبرلمان والديمقراطية. وإلى هذا اليوم يُستخدم مصطلح "شعبوي"، حيث حوّل مارك أنطوني الشعب بخطاب تاريخي إلى عدو للديمقراطية حين طلب منهم النظر إلى جراح القائد المغدور بالخيانة.
هذا التاريخ يتكرر مع دونالد ترامب، فحتى لو اختفى من المشهد في أميركا بطريقة ما، لن تعود جمهورية، إنها إمبراطورية الآن، وستأخذ غرينلاند وكندا، وتسيطر على المجال الحيوي الغربي، بينما خارج حدود الإمبراطورية فسيكون كما كانت روما؛ كل ما هو خارج حدود روما هم «البرابرة».
ما يتعرض له اليوم الشعب الأميركي يقترب بدرجة خطيرة من منطق عقيدة الصدمة، ولكن بصيغة أكثر تطورًا وهدوءًا من نسخها الكلاسيكية. الصدمة اليوم ليست دبابة في الشارع ولا انقلابًا عسكريًا، بل تراكم صدمات اقتصادية ونفسية ورقمية متزامنة تجعل الفرد فاقدًا للبوصلة، وقابلًا لإعادة تشكيل وعيه دون أن يشعر.
لفهم ما يحدث الآن لا بد من مقارنة غير تقليدية؛ فالمقارنة ليست مع الكساد العظيم ولا مع حرب فيتنام ولا مع هجمات سبتمبر. المقارنة الأدق والأخطر هي بين أميركا اليوم والاتحاد السوفيتي بين عامي 1985-1991، لكن مع فارق جوهري؛ فالاتحاد السوفيتي صُدم من الخارج ومن انهيار أيديولوجي مفاجئ، أما أميركا فصُدمت من الداخل وعلى مراحل.
في الاتحاد السوفيتي انهار العقد الاجتماعي فجأة؛ الدولة لم تعد قادرة على توفير السلع، والعملة فقدت معناها، والمواطن اكتشف فجأة أن كل ما صدّقه لعقود كان وهمًا، فحدث الشلل ثم القبول ثم التفكك. أما في أميركا اليوم فإن العقد الاجتماعي لا ينهار دفعة واحدة بل يتم تفريغه ببطء؛ والعمل لم يعد يضمن حياة كريمة، والبيت لم يعد حلمًا قابلًا للتحقيق، والتعليم أصبح عبئًا ماليًا مدى الحياة، والصحة تهديدًا وجوديًا لا خدمة. التقاعد وهم رقمي يتآكل مع التضخم.
هذه ليست أزمة واحدة بل سلسلة صدمات صغيرة متلاحقة؛ كل واحدة محتملة لكن مجموعها ساحق. عقيدة الصدمة هنا تعمل بشكل معكوس؛ فبدلًا من صدمة واحدة كبيرة تفتح الباب لإعادة الهيكلة، يتم إرهاق الوعي بسلسلة أزمات (جائحة، تضخم، رفع فائدة، أزمة بنوك، حروب خارجية، استقطاب داخلي، ديون طلاب، أزمة سكن، ذكاء اصطناعي يهدد الوظائف).
ما يتعرض له الأميركي اليوم يشبه الإنسان في نهاية الإمبراطورية الرومانية، لا في لحظة السقوط بل في مرحلة الاعتياد على التدهور؛ ففي روما لم يسقط كل شيء فجأة، بل تعوّد الناس على تراجع العملة، وعلى فساد النخبة، وعلى تراجع الخدمات، وعلى جيوش المرتزقة، وعلى أن الإمبراطورية لم تعد تحمي المواطن بل تطالبه بالمزيد. الناس لم تثُر بل تكيفت، وهذا أخطر من الثورة.