الاشتراكية الرقمية أو الاندثار: درس فنزويلا وصراع الرأسمالية في طورها الأكثر شراسة
في فجر يوم عادي من بداية يناير 2026، استيقظ العالم على خبر صادم: اعتداء عسكري أميركي غاشم، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في عملية معقدة نُفذت بدقة عسكرية واستخباراتية فائقة. على الرغم من الهجوم العسكري المباشر والقصف المكثف، إلا أن العملية استندت بشكل كبير إلى توظيف هائل للتكنولوجيا الرقمية.
التغطية الإعلامية ركزت على الجوانب السياسية دون التفات حقيقي للدور المحوري الذي لعبته التكنولوجيا المتقدمة. لم تكن مجرد تدخل عسكري تقليدي، إنما كانت حربًا رقمية شاملة سبقت الاعتقال بأشهر طويلة من التخطيط والرصد.
قبل الاستمرار، أود الإشارة إلى تحفظي على سياسات نظام مادورو في قمع المخالفين وتقييد الحريات والتضييق على اليساريين والنقابات العمالية. نقدنا للتدخل الرأسمالي الأميركي واستخدام التكنولوجيا كسلاح للهيمنة لا يعني تبرير الممارسات القمعية لنظام مادورو ضد القوى التقدمية والحركة العمالية. ما نسلط الضوء عليه هنا هو الدرس التكنولوجي والاستراتيجي الذي تقدمه هذه الحادثة لجميع الحركات اليسارية والتقدمية.
استُخدمت في هذه العملية أنظمة المراقبة الفضائية الأميركية الأكثر تطورًا لتتبع تحركات القيادة الفنزويلية عبر الأقمار الصناعية. تحليل البيانات الضخمة امتد لرسم خرائط دقيقة لشبكات الاتصالات الحكومية بكل تعقيداتها. اختراق الأنظمة الإلكترونية كان مخططًا له بدقة لتعطيلها في اللحظة الحاسمة، مما جعل القيادة الفنزويلية معزولة تمامًا عن قواعدها.
توظيف التقنيات الرقمية المتقدمة في تحليل ملايين المكالمات والرسائل لم يكن مجرد تجسس تقليدي، وإنما عملية معقدة لتحديد مواقع القادة بدقة والتنبؤ بتحركاتهم القادمة. التلاعب المبرمج بوسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي كان حملة منظمة لتشكيل رأي عام مؤيد للتدخل، وتصوير العملية على أنها "تحرير"، وليس اعتداءً على سيادة دولة مستقلة.
هذه ليست سيناريوهات من أفلام الخيال العلمي، إنما واقع موثق نعيشه اليوم. وكالة الأمن القومي الأميركية تملك برنامج PRISM الذي كشف عنه إدوارد سنودن والذي يراقب الاتصالات العالمية دون تمييز. شركات مثل Palantir Technologies تقدم أنظمة تحليل بيانات فائقة التطور للمؤسسة الاستخباراتية الأميركية.
المنظومة التكنولوجية الرأسمالية اليوم قادرة على المراقبة الشاملة والتتبع المنهجي للحركات السياسية والفاعلين السياسيين. والأخطر أن هناك الكثير من التقنيات والأسلحة الرقمية التي ما تزال ضمن السرية، كما كان الحال مع الإنترنت نفسه الذي لم يُكشف للعامة إلا بعد سنوات من استخدامه العسكري والأمني.
التكنولوجيا كأداة للسيطرة والهيمنة الرأسمالية
ما حدث في فنزويلا ليس حادثة معزولة. إنه جزء أساسي من استراتيجية رأسمالية رقمية شاملة شهدناها تتكرر في أماكن متعددة من العالم. الدرس الأكثر وضوحًا من حادثة اعتقال مادورو هو أن الرأسمالية في مرحلتها الراهنة لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية التقليدية. لقد طورت منظومة رقمية معقدة قادرة على اختراق الحدود الجغرافية، ومراقبة الأفراد والجماعات بدقة مذهلة، والتلاعب بالمعلومات وتشكيل الوعي العام بطرق لم تكن ممكنة في أي عصر سابق. إنها حرب غير مرئية، تدور معاركها في الفضاء السيبراني وخوادم البيانات، أكثر فعالية وأقل تكلفة من القنابل والطائرات.
هذا الواقع يطرح سؤالًا مصيريًا على قوى اليسار: كيف يمكن لحركات تحررية لا تزال تعتمد على الاجتماعات التقليدية، وتوزيع المنشورات الورقية، واستخدام الهواتف غير المشفرة، وتستخدم الإنترنت بشكل بدائي، أن تواجه منظومة رأسمالية رقمية بهذا المستوى من التطور؟ الإجابة واضحة ومؤلمة: لا يمكنها ذلك إلا إذا قررت الدخول بشكل جدي واستراتيجي في المجال التكنولوجي، ليس كمستهلكين سلبيين للتكنولوجيا الرأسمالية، ولكن كمطورين ومبتكرين لبدائل رقمية مستقلة تحمي النضال من الاختراق والقمع.
ما نشهده اليوم هو إعادة إنتاج الاستغلال الطبقي التاريخي بوسائل أكثر تطورًا وخفاءً. لم يعد هذا الاستغلال محصورًا في المصانع أو المزارع، لقد امتد ليشمل الفضاء الرقمي ذاته. خوارزميات الشركات الرقمية تستغل شغيلات وشغيلة اليد والفكر بطرق أكثر قسوة من أي مدير بشري. هذه الخوارزميات تحدد الأجور بناءً على العرض والطلب في كل لحظة، تفرض ساعات العمل المرهقة دون اعتبار للحالة الصحية أو الأسرية، تصدر العقوبات التلقائية دون إمكانية للطعن.
في مجال الوعي: تُستخدم خوارزميات المنصات العملاقة لتشكيل وعي المليارات من البشر. هذه الخوارزميات تروّج بشكل منهجي لأيديولوجية الاستهلاك الرأسمالي وثقافة الفردانية، بينما تحارب المحتوى اليساري والتقدمي عبر تقنيات "تقليل المدى" و"الحظر الظلي". الملايين من الأجيال الشابة يتشكل وعيهم ليس عبر القراءة والتفكير النقدي، وإنما عبر خوارزميات تقرر ما يرونه وما لا يرونه.
في مجال المراقبة والسيطرة: تُستخدم التقنيات الرقمية اليوم لتعميق السيطرة السياسية والاجتماعية بطرق لم تكن ممكنة سابقًا. أنظمة التعرف والتحليل تتيح تتبع الناشطات والناشطين السياسيين ومراقبة سلوكهم وشبكاتهم بدقة عالية. هذه التقنيات تُصدَّر للأنظمة الاستبدادية، مما يحول الفضاء الرقمي والعام إلى مجال مراقبة دائم.
الرهان التاريخي لليسار، نحو ثورة رقمية تحررية
العامل التكنولوجي لم يعد مجرد إضافة ثانوية في معركة اليسار ضد الرأسمالية. لقد أصبح شرطًا أساسيًا للبقاء والفعالية والتأثير. مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تقتصر على النقد، وإنما تتطلب مواقف وسياسات محددة، تتجاوز فضح الهيمنة الرأسمالية إلى العمل على تفكيكها وإعادة توجيه التكنولوجيا نحو خدمة عموم الجماهير. تطوير القدرات اليسارية في المجال التقني ضرورة حياتية لا تقل أهمية عن تطوير القدرات السياسية والتنظيمية. فكما أن قوى اليسار لا يمكنها الاعتماد على وسائل الإعلام الرأسمالية وتسعى لبناء إعلامها المستقل، يجب عليها أيضًا العمل على بناء بدائلها التكنولوجية المستقلة، سواء في شبكات التواصل أو الأدوات الرقمية وغيرها.
ما تكشفه الثورة الرقمية الحالية هو أننا نعيش في لحظة تاريخية تتضح فيها التناقضات بين التطور الهائل للقوى الإنتاجية والعلاقات الاجتماعية الرأسمالية التي لم تعد قادرة على احتواء هذا التطور. النضال في الفضاء الرقمي يجب أن يتحول إلى امتداد عضوي للنضال الاشتراكي على الأرض، وليس مجرد ساحة منفصلة. الربط بين النضال التكنولوجي والنضال الطبقي أمر أساسي، لأن الهيمنة الرقمية هي مجرد امتداد لهيمنة رأس المال.
الحل الممكن الآن هو تطوير أنظمة مفتوحة المصدر، شفافة، تُدار بشكل ديمقراطي مع ضوابط مجتمعية، بالإضافة إلى الدفع نحو سن قوانين دولية تضبط عمل التكنولوجيا الرقمية وتضمن خدمتها للمجتمع ككل. لكن هذا لا يكفي. الحل الجذري هو بناء بدائل تكنولوجية يسارية حقيقية ذات توجهات تقدمية وملكية مجتمعية، يتم من خلالها انتزاع هذه التكنولوجيا من قبضة السوق، وتوظيفها في تفكيك علاقات الاستغلال، والمساهمة في بناء مجتمع جديد أكثر عدلًا وإنسانية.
يجب أن يكون استخدام اليسار للتكنولوجيا الرقمية الحالية دقيقًا ومتعمدًا وحذرًا. لا يمكن الوثوق بالتطبيقات المطورة ضمن بيئة رأسمالية دون وعي نقدي عميق. يجب توخي الحذر الشديد عند التعامل مع البيانات والمعلومات الحساسة، فالاستغلال غير المدروس لهذه الأدوات قد يؤدي إلى اختراق أمني أو تسريب معلومات يعرّض التنظيمات اليسارية للخطر. لذلك، من الضروري تطوير بروتوكولات أمن رقمي متقدمة، واعتماد تطبيقات مفتوحة المصدر أكثر استقلالية، وتدريب الأعضاء على ممارسات الأمن الرقمي.
اللحظة التاريخية الحاسمة لليسار
ما حدث مع مادورو ليس حادثة معزولة، وإنما إنذار حاد لكل الأنظمة التقدمية والحركات اليسارية في العالم. إنه إعلان عملي بأن المعركة الرقمية تحولت إلى ساحة صراع طبقي مركزية. ما جرى في فنزويلا يكشف أن الرأسمالية الرقمية باتت تعتمد على ثغرات تقنية تمنحها إمكانية التأثير في استقرار الأنظمة التقدمية، ومحاولة شل قياداتها، والمراهنة على هندسة وعي مجتمعاتها رقمياً. الخطر لا يطال فنزويلا وحدها، إنما من الممكن أن يمتد ليهدد كل تجربة يسارية وتقدمية. نحن أمام مرحلة جديدة من الصراع الطبقي، تُستخدم فيها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كسلاح استراتيجي لضرب الحركات اليسارية في مهدها. النضال الاشتراكي العالمي اليوم مستهدف بشكل مباشر بالاختراق الرقمي والمراقبة الشاملة والتجفيف المسبق لأي فعل ثوري محتمل.
السؤال الأساسي: هل نحن، كقوى يسارية وتقدمية، مستعدون فعلًا لخوض هذه الحرب الرقمية؟ هل نملك الجرأة لإعادة بناء اليسار فكريًا وتنظيميًا وتقنيًا؟ هل نحن مستعدون لتجاوز التشتت والانقسام، وفهم أن مصير كل تجربة تقدمية بات مترابطًا مع مصير غيرها؟ اللحظة التاريخية لا ترحم، والرأسمالية الرقمية لا تنتظر ترددنا. إما أن ننخرط بوعي ونضال في هذه المعركة، ونعيد صياغة مشروع بديل اشتراكي قادر على مواجهة العصر الرقمي، أو نُترك على هامش التاريخ. إن قبول المصير الأخير هو الاندثار المحتوم. الرهان التاريخي الحقيقي لمشروع التحرر هو أن يتحول إلى مشروع رقمي بوعي وتنظيم.
يجب أن تصبح المعرفة التقنية الرقمية جزءًا لا يتجزأ من الثقافة اليسارية المعاصرة، وهنا يبرز الدور الحيوي للشباب كطليعة لهذا التحول. يجب أن نبني كوادر تقنية يسارية، تستثمر طاقات الأجيال الشابة في تطوير أدوات رقمية بديلة، وشبكات تواصل لا تخضع لخوارزميات رأس المال. يجب أن نفهم الكود البرمجي كما نفهم النص السياسي.
هذا الجهد يتطلب التنسيق والعمل المشترك عالميًا من خلال بناء أمميات وتحالفات رقمية هدفها تطوير النضال الرقمي لليسار في العالم أجمع. بناء هذه البدائل التكنولوجية المستقلة محفوف بمعضلات: معضلة الاعتماد على المعرفة المطورة في كنف النظام الرأسمالي ذاته، ومعضلة الموارد الهائلة المطلوبة، ومعضلة التنسيق بين قوى يسارية متناحرة. لذلك، يجب أن يكون هذا المشروع تكتيكاً استراتيجياً يبدأ من الاستخدام النقدي للأدوات المتاحة، وبناء شبكات تضامن تقنية، والسعي لتطوير نواة بديلة في المساحات التي تتيحها التكنولوجيا مفتوحة المصدر، مع الإقرار بأنه مشروع تراكمي طويل الأمد.
إن اليسار الذي كان له الدور المشهود في تعزيز الحريات والمساواة والعدالة يمكنه تجاوز هذه الحالة الراهنة. فلتكن هذه المعركة الرقمية لحظة ميلاد جديد ليسار إلكتروني رقمي مدموج بالنضال الميداني، أكثر جرأة وجذرية وعلمية. إن المعركة من أجل السيطرة على التكنولوجيا الرقمية ليست معركة تقنية فحسب، وإنما معركة من أجل مستقبل الإنسانية ذاته. إن الاشتراكية الرقمية، بهذا المعنى، ليست خياراً بين خيارات. إنها الشرط الوجودي لبقاء المشروع الاشتراكي ذاته في القرن الحادي والعشرين.