هل سيتوسط العراق لنزع فتيل الأزمة بين واشنطن وطهران
بغداد - في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة لنائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى العاصمة الإيرانية طهران، في ظل تصاعد الاحتجاجات الداخلية التي تشهدها إيران، وتزايد الضغوط الدولية عليها، إلى جانب تهديدات أطلقها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بإمكانية التدخل العسكري في حال أقدمت السلطات الإيرانية على قتل المتظاهرين، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات أمنية واسعة في المنطقة سيهدد في لنهاية استقرار الدولة العراقية.
ومن المقرر أن يجري وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين زيارة رسمية قصيرة تستغرق يوماً واحداً، يلتقي خلالها نظيره الإيراني عباس عراقجي وعدداً من كبار المسؤولين في طهران. ووفق ما نشره موقع "شفق نيوز" الكردي العرقي عن مصادر مطلعة، فإن المباحثات ستتركز على مستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين، إضافة إلى بحث التطورات المتسارعة في المشهد الإقليمي، ولا سيما التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران.
وتأتي هذه الزيارة في وقت تحاول فيه بغداد تعزيز دورها كوسيط إقليمي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع كل من طهران وواشنطن. وكان رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني قد كشف في تصريحات سابقة عن وجود جهود عراقية لاستضافة مفاوضات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في بغداد، في مسعى لاحتواء التصعيد وفتح قنوات للحوار. وقد لاقت هذه المبادرة ترحيباً من وزارة الخارجية الإيرانية، التي أبدت استعدادها للتجاوب مع أي وساطة تسهم في تخفيف حدة التوتر.
وربما تسعى بغداد لطمأنة الجانب الايراني بأنه لن يتم استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات على الحكومة الايرانية في خضم تهديدات ترامب ومستشاريه.
في السياق ذاته، تعكس التحركات الأمنية الأخيرة بين بغداد وطهران حجم القلق الإيراني من انعكاسات الاضطرابات الداخلية على أمنها القومي. فقد أجرى مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي اتصالاً هاتفياً مع أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، جرى خلاله التأكيد على ضرورة تشديد الرقابة على الحدود المشتركة وتعزيز التنسيق الأمني لمنع تسلل جماعات معارضة مسلحة تصفها طهران بـ”الإرهابية”. ويشير هذا التنسيق إلى مخاوف إيرانية متزايدة من احتمال استغلال المعارضة الإيرانية للأراضي العراقية لشن هجمات عبر الحدود.
وتربط العراق وإيران علاقات سياسية وأمنية وثيقة، تعززت خلال السنوات الماضية، خصوصاً في سياق الحرب على تنظيم "داعش". وتؤكد بغداد في خطابها الرسمي أن طهران كانت شريكاً أساسياً في مواجهة الإرهاب. غير أن هذا التقارب لا يخلو من انتقادات داخلية وإقليمية، إذ يرى خصوم إيران أن الأخيرة تنظر إلى الساحة العراقية باعتبارها مجالاً حيوياً لنفوذها، وتستخدمها كورقة ضغط في صراعها مع الولايات المتحدة، من خلال استهداف المصالح الأميركية عبر فصائل مسلحة موالية لها.
وفي هذا الإطار، سبق أن أبرم البلدان اتفاقات أمنية شملت تفكيك مخيمات جماعات معارضة إيرانية، أبرزها عناصر منظمة "مجاهدي خلق"، وإبعادها عن المناطق الحدودية. كما شهدت مناطق في إقليم كردستان العراق هجمات إيرانية متكررة استهدفت فصائل كردية معارضة، تتهمها طهران بتنفيذ عمليات مسلحة ضد الحرس الثوري والجيش الإيراني.
بالتوازي مع ذلك، صعّدت فصائل مسلحة عراقية موالية لإيران من لهجتها تجاه الولايات المتحدة، ملوّحة بالرد على أي هجوم أميركي محتمل يستهدف إيران. وتأتي هذه التهديدات في وقت تتداول فيه أوساط المعارضة الإيرانية معلومات عن استعانة طهران بعناصر من تلك الفصائل للمشاركة في قمع الاحتجاجات الداخلية، وهو ما يعكس اعتماد النظام الإيراني على قوى مسلحة عابرة للحدود لتعزيز قبضته الأمنية.
وتشير تقارير غير رسمية إلى أن هذه ليست سابقة، إذ سبق لإيران أن وظفت فصائل حليفة لها في ساحات إقليمية أخرى، لا سيما في سوريا، دعماً لنظام بشار الأسد. وتذهب مصادر مطلعة إلى أن عناصر من فصائل معروفة بولائها لطهران، مثل كتائب حزب الله، وحركة النجباء، ولواء سيد الشهداء، ومنظمة بدر، تلقت توجيهات للمساهمة في مهام أمنية تتعلق بتفريق المحتجين وملاحقة الناشطين داخل إيران.
وفي ظل هذه المعطيات، تكتسب زيارة وزير الخارجية العراقي إلى طهران أهمية مضاعفة، إذ لا تقتصر على البعد الدبلوماسي التقليدي، بل تأتي في إطار محاولات احتواء أزمات متشابكة قد تنعكس تداعياتها على أمن العراق والمنطقة بأسرها، في حال انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التصعيد.