اتحاد الشغل التونسي يواجه أصعب اختبارات البقاء

محلل سياسي يعتبر أن تأجيل الإضراب العام أو إلغاؤه بحجة تعذر إرسال البرقية مسألة فيها دبلوماسية، وحفظ لماء الوجه.

تونس - لا يزال إعلان الاتحاد العام التونسي للشغل عن إلغاء الإضراب العام الذي كان مقررا تنفيذه بعموم البلاد في 21 يناير/كانون الثاني الجاري للمطالبة بحقوق نقابية وزيادة الأجور، يثير جدلا واسعا باعتباره يشكل نقطة تحول هامة تعكس عمق الأزمة التي تعيشها المنظمة.

وقال الأمين العام المساعد باتحاد الشغل صلاح الدين السالمي على هامش رئاسته أشغال المؤتمر العادي الـ28 للاتحاد المحلي للشغل بمدينة صفاقس (جنوب) إن الإضراب العام الذي جرى الإعلان عنه في 5 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وأقرت المنظمة تنفيذه في الـ21 من الشهر الجاري "انتهى عمليا".

ووفق قوانين الاتحاد يشترط في تنفيذ الإضراب أن يتم توقيع برقية (إشعار رسمي مكتوب) تعلن الإضراب وتوجه إلى رئاسة الحكومة والوزارات والولايات قبل مواعيد محددة.

والسبت الماضي، مر آخر موعد لإصدار البرقية من قبل الأمين العام للاتحاد نورالدين الطبوبي دون صدورها مما يجعل تنفيذ الإضراب غير قانوني وهو ما أكده السالمي.

وفي 23 ديسمبر/كانون الأول الماضي، قدم الطبوبي استقالته من الأمانة العامة للاتحاد دون توضيح الأسباب، قبل أن يعود عنها الأربعاء بسبب خلافات داخل الاتحاد وفق مراقبين تونسيين.

قرار خاطئ

في هذا السياق قال الطيب بوعائشة أستاذ متقاعد والمتحدث باسم المعارضة النقابية الديمقراطية للأناضول إن "الهيئة الإدارية أخطأت في اتخاذ قرار إلغاء الإضراب"، مضيفا أن "الصراعات داخل هياكل الاتحاد خصوصا على مستوى المكتب التنفيذي والهيئة الإدارية لا تترك أي مجال لإمكانية إنجاحه بنسبة محترمة".

وأردف "لكن بعد اتخاذ القرار يصبح أي تراجع دون تحقيق أي مطلب من المطالب المرفوعة ضربة أخرى للعمل النقابي ومن سيدفع الثمن هو العمال ولا أحد غيرهم".

وتابع أن "عدم إنجاز الإضراب يدل على لا مسؤولية كبيرة واستهتار فعلي بمصالح العمال"، متسائلا "ما معنى أن تتخذ الهيئة الإدارية قرارا بالإضراب ثم مباشرة بعد اتخاذ القرار يستقيل الأمين العام للاتحاد وعضو آخر من المكتب التنفيذي".

وحول خلفيات هذا الإلغاء يقول بوعائشة "هناك من يروج أن الطبوبي قدم استقالته لأن أعضاء من المكتب التنفيذي لم يوافقوا على تاريخ المؤتمر الاستثنائي للاتحاد في مارس/آذار المقبل ولكن هذ ليس مبررا لبيع 2 مليون عامل ويذهب العمال ضحية لهذه الصبيانية".

وزاد "ربما خضع الطبوبي لضغوطات حتى من السلطة وإذا لم يدل بالحقيقة فكل التأويلات تصبح واردة"، مؤكدا أن مثل هذه التصرفات "تضخم فقدان ثقة القواعد في الهياكل النقابية من النقابة الأساسية إلى المكتب التنفيذي".

أزمة هيكلية

ويقول بوعائشة إن "الأزمة كبيرة وكبيرة جدا وهيكلية أسبابها داخلية وهناك 3 أساسيات لحلها"، موضحا "أولا هناك ضرورة النزول إلى القاعدة النقابية لإشراكها في النقاش ووضع تصور الخروج منها وإذا نزل الحل من فوق لن نصل إلا إلى إعادة إنتاج وضع رديء".

وتابع "وجب الآن دعوة المجلس الوطني (هيكل يتبع الاتحاد أوسع من الهيئة الإدارية وله سلطة قرار) ليناقش الأزمة وأبعادها وعمقها ويبوب الخطوات الاستعجالية التي لابد من القيام بها للوصول إلى حل".

ودعا "القيادة المتسببة في الأزمة إلى تقديم اعتذار للعمال والرحيل وليس السعي إلى الحصول على أماكن في مؤتمر الاتحاد القادم"، مضيفا "ثالثا ثمة جملة من الإجراءات العاجلة في علاقة بالقانون الأساسي والنظام الداخلي لابد أن يقرها مجلس وطني قادم ويناقشه المؤتمر القادم ولابد من إعادة هيكلة النقابات الأساسية".

إضراب لن يتم 

المحلل السياسي عبدالرزاق الخلولي يقول للأناضول "منذ إعلان الإضراب العام كنا على بينة ونعتقد أنه لن يتم"، مضيفا "في تطور الأحداث على مستوى المكتب التنفيذي للاتحاد وتقديم استقالة الأمين العام قبل التراجع عنها وعلى مستوى الأزمة القائمة الداخلية حول تحديد موعد المؤتمر الاستثنائي هناك طرفان".

ويوضح أن "الطرف الأول يرى ضرورة التسريع بالمؤتمر على أساس أن يكون في مارس/آذار 2026 والشق الثاني يرى أن المؤتمر يعقد في 2027"، متابعا أن "هذه الأطراف المتصارعة التي تختلف حسب التوجهات والمصالح والاصطفاف الايديولوجي أو النقابي هو ما يتسبب بالاضطرابات".

وأكد أن "مسألة تأجيل الإضراب العام أو إلغاؤه بحجة تعذر إرسال البرقية مسألة فيها دبلوماسية، وحفظ لماء الوجه باعتبار أن الهيكل النقابي، وخاصة المكتب التنفيذي والهيئة الإدارية حاولت إعطاء إشارات أنها مازالت قائمة وفي صحة جيدة".

حسابات الربح والخسارة

ويشير الخلولي إلى أن "الاتحاد يعيش أضاعا صعبة وفي أحلك حالاته بحكم التناقضات والاختلافات والخلافات الداخلية"، مضيفا أن "كل الهياكل النقابية مشلولة ولا تستطيع القيام بمهامها ولا حتى اتخاذ القرار، والأيادي كلها مرتعشة وتقوم بحسابات الربح والخسارة".

وتابع أن "حسابات القيادات النقابية في كيفية التعامل مع السلطة، وموقف السلطة من عديد الأشياء (..) أصبحوا يحسبون حسابا للسلطة التي تعتبر أن المكتب التنفيذي هو من أوصل الاتحاد إلى الأزمة".

وقال إن "معظم الأمناء العامين المساعدين والأمين العام والهياكل لها ملفات فساد ومهددة بالمتابعة القضائية لتورطهم في الفساد". بدوره يعتبر سليم الهميسي، نقابي في التعليم الثانوي، أن "موضوع المؤتمر في مارس/آذار القادم هو جوهر الإشكال".

ويقول هناك طرف نقابي يقول إنه "غير قانوني قد يحدث مشكلة في شرعية القيادة ويريد أن يكون المؤتمر في 2027"، مضيفا "إذا تم الاتفاق على تنظيمه في مارس/آذار يتراجع الطبوبي عن الاستقالة لأنه يريد إنجازه في هذا الوقت وقدم استقالته إثر عدم التوافق على ذلك".

وتابع أن "الإضراب العام لم يتم التنازل عنه لأنه توجيه من المجلس الوطني، والمواقف بين المجموعات النقابية تتغير لحسابات انتخابية".

أزمة عميقة

وحول وضع الاتحاد اليوم يقول الهميسي إن "الأزمة كبيرة ومعقدة فيها ما هو حسابات داخلية وهناك مراكز قوى في الاتحاد تاريخيا تؤثر فيها عدة عوامل خارجية وهنا يدخل الشأن الوطني".

ويضيف أن "الذين يريدون المؤتمر في مارس/آذار المقبل نقابيون حريصون على إنقاذ المنظمة باتجاه ترميم وضعها الداخلي لأن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى انفلات القواعد".

وتابع أن "الاتحاد العام التونسي للشغل منظمة لها تاريخ وتعتبر إحدى أساسات البلاد وكل سلطة تأتي تريد ترويضه"، مشيرا إلى أن " المنظمة مرة في توافق مع السلطة ومرة في صراع معها".

وأردف أن "مصلحة البلاد تقتضي أن يبقى الاتحاد قائم الذات وله شرعية قانونية تجعله قادرا على التأطير والمشاركة في الحياة العامة"، مضيفا "إذا كانت هناك إرادة من الغيورين على الاتحاد ومصلحتهم الوحيدة هي العمال سيتم تجاوز الأزمة، وإن كانت هناك أجندة معينة سيدخل الاتحاد في متاهات".