الباراديغم والنموذج في الإبستمولوجيا

مقاربة تحليلية في الفرق الدلالي والإجرائي بين تصور توماس كون للثورات العلمية ونموذج آلان باديو الأنطولوجي.

مقدمة

في مجال الإبستمولوجيا، أي علم المعرفة، يبرز مفهوما الباراديغم والنموذج بوصفهما أداتين أساسيتين لفهم كيفية تطوّر المعرفة البشرية وتشكلها داخل السياقات العلمية والفلسفية. يعود مفهوم الباراديغم إلى توماس كون، الفيلسوف ومؤرخ العلوم، الذي طوّره في سياق دراسته لتاريخ العلوم، بينما يأتي مفهوم النموذج من آلان باديو، الفيلسوف الفرنسي المعاصر، الذي يربطه بنظريته في الأنطولوجيا والرياضيات. ورغم أن كلا المفهومين يتعلقان ببناء المعرفة وتحولها، فإنهما يختلفان جذريًا في دلالاتهما النظرية وتطبيقاتهما الإجرائية، مما يعكس تحوّلًا في النظرة الإبستمولوجية من التركيز على الثورات العلمية التاريخية إلى الالتزام بالأحداث الراديكالية والحقائق الرياضية. في هذه المقاربة الإبستمولوجية، سنستكشف هذين المفهومين بشكل موسّع، مع التركيز على الفرق الدلالي المتعلق بمعاني المصطلحين الأساسية، والفرق الإجرائي الذي يتناول كيفية عملهما في بناء المعرفة، للكشف عن كيفية مساهمتهما في فهم الديناميكيات المعرفية في عصرنا.

المفهوم بين توماس كون وآلان باديو

يبدأ فهم الباراديغم عند كون من سياقه التاريخي والعلمي، حيث يراه إطارًا شاملًا يحدد الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى العالم ويحلّون مشكلاته. في نظر كون، لا يُعدّ الباراديغم مجرد نظرية أو افتراض، بل هو نظام متكامل من المعتقدات والقيم والممارسات التي تشكّل "العلم الطبيعي" في فترة معيّنة، مما يجعله أشبه بـ"عالم نظري" يوجّه البحث العلمي. فعلى سبيل المثال، يشمل الباراديغم النيوتوني في الفيزياء ليس فقط قوانين الحركة، بل أيضًا الافتراضات المتعلقة بالزمان والمكان المطلقين، والأدوات المنهجية للتجريب. يعكس هذا المفهوم نظرة إبستمولوجية ترى المعرفة العلمية بناءً اجتماعيًا وتاريخيًا، حيث يسود الباراديغم خلال فترات "العلم الطبيعي" التي تركز على حل الألغاز داخل الإطار القائم، لكنه ينهار عند مواجهة "الشذوذات" التي لا يمكن تفسيرها، مما يؤدي إلى "ثورة علمية" تنقل إلى باراديغم جديد. إبستمولوجيًا، يؤكد كون على عدم التوافق بين الباراديغمات، أي إن الباراديغم الجديد لا يُبنى على القديم بشكل تراكمي، بل يغيّر النظرة إلى العالم بأسره، مما يجعل المعرفة غير محايدة ومتأثرة بالسياقات الاجتماعية والثقافية. وهكذا، يصبح الباراديغم أداة لفهم تطوّر المعرفة لا عبر التقدم الخطي، بل من خلال قفزات جذرية تعيد تشكيل الواقع المعرفي.

على النقيض من ذلك، يأتي مفهوم النموذج عند باديو من خلفية فلسفية رياضية، مستمدًّا من نظرية المجموعات التي يراها أساس الأنطولوجيا، أي علم الوجود. في فلسفة باديو، لا يُعدّ النموذج إطارًا علميًا تاريخيًا، بل بناءً رياضيًا يمثّل "حالة" أو "عالمًا" يحدّد ما هو موجود وما هو غير موجود داخل سياق معيّن. يعتمد باديو على أكسيومات زيرميلو–فرانكل في نظرية المجموعات لوصف النموذج بوصفه مجموعة تحتوي على عناصر تُعدّ وتُرتَّب، لكنها تتعرض لـ"الحدث" الذي يقلب هذا النظام، مما يؤدي إلى إنتاج "حقيقة" جديدة. فعلى سبيل المثال، في سياق السياسة أو الفن، يصبح النموذج نموذجًا للحقيقة التي تبني عالمًا جديدًا انطلاقًا من حدث راديكالي، كالثورة أو الاكتشاف الفني.

إبستمولوجيًا، يرى باديو المعرفة التزامًا بحدث يتجاوز النموذج القائم، حيث يصبح النموذج أداة للكشف عن الفراغ في الوجود، أي ما لا يُعدّ داخل المجموعة، مما يجعل المعرفة عملية فلسفية راديكالية ترتبط بالحقيقة بوصفها شيئًا عامًا وأبديًا، لا تاريخيًا متغيرًا. يعكس هذا المفهوم نظرة إبستمولوجية ترى المعرفة ليست اجتماعية، بل أنطولوجية، مدعومة بالرياضيات كلغة للوجود، حيث يصبح النموذج وسيلة للتمييز بين "المعرفة" بوصفها بناءً قائمًا و"الحقيقة" بوصفها إنتاجًا حدثيًا.

يبرز الفرق الدلالي بين الباراديغم والنموذج في جوهرهما النظري؛ إذ يحمل الباراديغم عند كون دلالة تاريخية وعلمية اجتماعية، تشير إلى إطار يشمل الممارسات والمعتقدات الجماعية التي توجه العلم في فترة معينة، مما يجعله مفهومًا نسبيًا يعتمد على السياقات البشرية والثقافية. فالباراديغم يدل على "نموذج مثالي" للعلم، لكنه يتغير مع الثورات، معكسًا دلالة ديناميكية ترتبط بالتطور التاريخي للمعرفة، حيث يصبح رمزًا للتوافق الاجتماعي داخل المجتمع العلمي. أما النموذج عند باديو، فيحمل دلالة رياضية وأنطولوجية، تشير إلى بناء منطقي يحدد الوجود داخل مجموعة، وهو ليس اجتماعيًا بل عامًا ومجرّدًا، إذ يدل على "نموذج" بوصفه بناءً يمكن توسيعه أو كسره بالحدث، مما يجعله أداة للكشف عن الحقيقة بوصفها شيئًا يتجاوز التاريخ. يعكس هذا الفرق الدلالي تحوّلًا إبستمولوجيًا من النظرة السوسيولوجية للمعرفة عند كون، التي ترى العلم بناءً بشريًا متأثرًا بالمجتمع، إلى النظرة الأنطولوجية عند باديو، التي ترى المعرفة التزامًا فلسفيًا بالحقيقة الرياضية، مما يجعل الباراديغم أكثر ارتباطًا بالتجربة البشرية اليومية، بينما يغدو النموذج أكثر تجريدًا وعمومية.

أما الفرق الإجرائي، فيكمن في كيفية عمل كل مفهوم في بناء المعرفة وتحويلها. عند كون، يعمل الباراديغم إجرائيًا بوصفه دليلًا للممارسة العلمية اليومية، إذ يوجّه الباحثين في حل الألغاز داخل الإطار القائم، لكنه يؤدي إلى أزمة عند تراكم الشذوذات، مما يفضي إلى ثورة تعيد ترتيب المعرفة بصورة جماعية وتاريخية. يعتمد هذا الإجراء على المنافسة بين الباراديغمات، حيث ينتصر الجديد لا بسبب دليل مطلق، بل بقدرته على حل المشكلات على نحو أفضل، مما يجعل العملية الإبستمولوجية اجتماعية تعتمد على الإقناع والتوافق داخل المجتمع العلمي. في المقابل، يعمل النموذج عند باديو إجرائيًا بوصفه بناءً رياضيًا يُبنى ويُفكك عبر الحدث، إذ يبدأ الإجراء بالالتزام بالحدث الذي يكشف الفراغ، مما يؤدي إلى إنتاج حقيقة جديدة تتجاوز النموذج القائم، لا عبر ثورة تاريخية، بل من خلال عملية فلسفية فردية وجماعية ترتبط بالإخلاص للحقيقة. ويغدو هذا الإجراء أكثر راديكالية، إذ لا يعتمد على التوافق الاجتماعي، بل على الرياضيات أداةً للتمييز بين المعرفة القائمة والحقيقة الناشئة، مما يجعل العملية إبستمولوجية أنطولوجية تركز على الابتكار الراديكالي بدلًا من التطور التدريجي.

تطبيقات في العلوم الحديثة

في سياق العلوم الحديثة، يظل مفهوم الباراديغم عند توماس كون أداة قوية لفهم كيفية تطور المعرفة العلمية، بينما يقدم مفهوم النموذج (أو "النموذج" المرتبط بالحدث) عند آلان باديو رؤية فلسفية أكثر تجريدًا وأنطولوجية، تقوم على الرياضيات أساسًا للوجود. ورغم الاختلاف الدلالي والإجرائي بينهما، فإن تطبيقاتهما في مجالات مثل الفيزياء الحديثة تكشف عن ديناميكيات عميقة في كيفية ظهور المعرفة الجديدة، سواء عبر ثورات تاريخية أو أحداث راديكالية. في هذا المقال، نستعرض التطبيقات الرئيسية لهذين المفهومين في العلوم الحديثة، مع التركيز على الفيزياء الكلاسيكية، والنسبية، والميكانيكا الكمومية، لبيان كيفية إسهامهما في تفسير التحولات المعرفية دون الوقوع في الاختزالية أو التفسير الاجتماعي المحض.

يكشف الفرق الدلالي والإجرائي بين الباراديغم عند كون والنموذج عند باديو عن تناقضات عميقة في الإبستمولوجيا المعاصرة

يجد مفهوم الباراديغم عند كون تطبيقاته الأبرز في الفيزياء الحديثة، حيث يصف التحولات الكبرى كثورات تغيّر الإطار المرجعي للعلماء. ومن أوضح الأمثلة على ذلك الانتقال من الفيزياء النيوتونية الكلاسيكية إلى نظرية النسبية الخاصة والعامة لأينشتاين في أوائل القرن العشرين. ففي الباراديغم النيوتوني، كان الزمان والمكان مطلقين ومستقلين، وكانت الجاذبية قوة فورية تعمل عبر مسافات لا متناهية. غير أن ظهور "الشذوذات"، مثل نتائج تجربة مايكلسون–مورلي (التي فشلت في اكتشاف الأثير)، ومشكلات تفسير الإشعاع الأسود، أدى إلى أزمة في الباراديغم القديم. وقدّم أينشتاين، من خلال النسبية، باراديغمًا جديدًا يجعل الزمان والمكان نسبيين ومترابطين، والجاذبية انحناءً في النسيج الزمكاني.

لم يكن هذا التحول مجرد إضافة قوانين جديدة، بل تغييرًا جذريًا في النظرة إلى الواقع، إذ اختفت مفاهيم مثل "التوافق الزمني" في الباراديغم الجديد، مما يجعل الباراديغمين غير قابلين للمقارنة المباشرة. ويبيّن هذا التطبيق كيف يساعد تصور كون في تفسير رفض العلماء المبدئي للنظريات الجديدة، ثم تبنّيها تدريجيًا بعد أن يثبت الباراديغم الجديد قدرته على حل المشكلات التي عجز عنها القديم. ومن التطبيقات البارزة الأخرى لباراديغم كون الانتقال إلى الميكانيكا الكمومية في عشرينيات القرن العشرين. فقد افترض الباراديغم الكلاسيكي (النيوتوني–الماكسويلي) التحديدية الكاملة والاستمرارية في الظواهر، لكن ظهور "الشذوذات"، مثل إشعاع الجسم الأسود، والتأثير الكهروضوئي، وتجارب الانحراف في الذرات، أدى إلى أزمة عميقة. وقد قدّم ماكس بلانك، ثم أينشتاين، ثم هايزنبرغ وبور، باراديغمًا كموميًا يقوم على الاحتمالية، والتقطّع، والازدواجية (موجة–جسيم).

غيّر هذا الباراديغم الجديد النظرة إلى الواقع، حيث أصبحت الجسيمات غير محددة الموقع والسرعة في آن واحد (مبدأ اللايقين)، وأصبح القياس يؤثر في الحالة الفيزيائية. ويُعدّ هذا التحول ثورة علمية نموذجية عند كون، لأنه لم يكن تراكمًا خطيًا، بل قفزة غيّرت مفاهيم أساسية مثل السببية والواقعية، وأدت إلى تطبيقات عملية هائلة، كالترا نزيستور، والليزر، والحوسبة الكمومية. أما مفهوم النموذج عند آلان باديو، فيتسم بكونه أكثر تجريدًا وأقل تاريخية، إذ يربطه بالرياضيات (نظرية المجموعات) بوصفها أساس الوجود، وبالحدث بوصفه كسرًا راديكاليًا ينتج حقيقة جديدة. وفي العلوم الحديثة، يجد هذا المفهوم تطبيقاته في تفسير الاكتشافات الكبرى بوصفها أحداثًا تتجاوز النموذج القائم. فعلى سبيل المثال، يمكن اعتبار ظهور الميكانيكا الكمومية حدثًا باديويًا، إذ كشف "الفراغ" في الباراديغم الكلاسيكي (مثل العجز عن تفسير الإشعاع الأسود)، مما أدى إلى إنتاج حقيقة جديدة غير قابلة للاختزال في النموذج القديم.

يرى باديو أن العلم، بوصفه إجراءً حقيقيًا، يقوم على الالتزام بهذا الحدث، كما هو الحال في تطوير نظرية المجموعات لوصف الوجود، أو في اكتشافات مثل عدم التوطين في التشابك الكمومي، الذي يتجاوز النموذج الكلاسيكي للعلاقات المكانية. ويساعد هذا التصور في فهم الاكتشافات العلمية لا بوصفها مجرد حلول لألغاز، بل أحداثًا تعيد تشكيل الوجود ذاته، كما في محاولات توحيد النسبية والكمومية (مثل نظرية الأوتار أو الجاذبية الكمومية الحلقية)، حيث يُعدّ أي نجاح محتمل حدثًا ينتج نموذجًا جديدًا للوجود.

في الفيزياء الحديثة، يتقاطع المفهومان في تفسير التحديات المعاصرة، مثل توحيد النسبية العامة والميكانيكا الكمومية. فمن منظور كون، تُفهم هذه الإشكالية بوصفها أزمة في الباراديغم الحالي (النموذج القياسي للجسيمات مضافًا إليه النسبية)، حيث تتراكم الشذوذات، مثل الطاقة المظلمة والمادة المظلمة، بما قد يؤدي إلى ثورة جديدة. أما من منظور باديو، فهي فرصة لحدث يتجاوز النموذج القائم، إذ يُكشف الفراغ في الوجود (كالتناقض بين الاحتمالية الكمومية والتحديدية النسبية)، مما يدعو إلى إنتاج حقيقة جديدة عبر الرياضيات. وتُظهر هذه التطبيقات كيف يساعد كون في وصف التطور التاريخي للعلم، بينما يقدّم باديو أداة فلسفية لفهم الابتكار الراديكالي بوصفه حدثًا يتجاوز التاريخ نحو الأبدي.

خاتمة

تظل تطبيقات الباراديغم عند كون أكثر انتشارًا في تفسير التاريخ العلمي الحديث، ولاسيما في الفيزياء، حيث يفسر الثورات الكبرى بوصفها تحولات جذرية في النظرة إلى الواقع. أما مفهوم النموذج عند باديو، فيقدّم رؤية أعمق للابتكار بوصفه حدثًا أنطولوجيًا، مما يثري الإبستمولوجيا بإمكانية النظر إلى العلم على أنه إنتاج لحقائق جديدة. وهذان المفهومان، على الرغم من اختلافهما، يدعوان معًا إلى تأمل مستمر في كيفية ظهور المعرفة الجديدة، سواء عبر أزمات تاريخية أو أحداث راديكالية، في عصر يشهد تحديات كالجاذبية الكمومية ونظرية الأكوان المتعددة. ومن ثم، يكشف الفرق الدلالي والإجرائي بين الباراديغم عند كون والنموذج عند باديو عن تناقضات عميقة في الإبستمولوجيا المعاصرة؛ إذ يمثل الباراديغم نموذجًا للمعرفة بوصفها عملية تاريخية اجتماعية تتطور عبر الثورات، بينما يقدّم النموذج رؤية فلسفية رياضية تربط المعرفة بالحقيقة بوصفها حدثًا أبديًا. ولا يقتصر هذا التمييز على المستوى النظري، بل يفتح آفاقًا لفهم كيفية مواجهة التحديات المعرفية في عصرنا، سواء في العلوم الطبيعية أو في الفلسفة، بما يدعونا إلى التفكير في إمكان دمج النهجين لإثراء النظرة إلى المعرفة بوصفها بناءً بشريًا متعدد الأبعاد.