ترامب يصر على ضم غريلاند ولا يستبعد خيار القوة
واشنطن - في تصعيد غير مسبوق أثار قلقًا واسعًا في العواصم الأوروبية، جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمسكه بهدف السيطرة على جزيرة غرينلاند، رافضًا استبعاد استخدام القوة لتحقيق ذلك، ومؤكدا أن المسألة باتت "حتمية" من منظور الأمن القومي الأميركي والعالمي.
ووضعت تصريحات ترامب التي جاءت على هامش مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي، حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي أمام اختبار صعب، في وقت يعاني فيه القادة الأوروبيون من صعوبة بلورة رد موحّد على الطموحات الأميركية المتصاعدة.
وقال ترامب، عقب محادثة جمعته بالأمين العام لحلف الناتو مارك روته، إن غرينلاند تمثل ضرورة استراتيجية لا يمكن التراجع عنها، معتبرًا أن هناك إجماعًا ضمنيًا على هذه الرؤية. ولتعزيز رسالته، لجأ الرئيس الأميركي إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ناشرًا صورًا له، بعضها مولد بالذكاء الاصطناعي، يظهر فيها وهو يحمل العلم الأميركي على أرض الجزيرة القطبية، إضافة إلى صور أخرى تُظهر خرائط تضع غرينلاند وكندا ضمن حدود الولايات المتحدة، في خطوة فُسّرت على أنها استفزاز مباشر للحلفاء.
وأثار هذا الخطاب مخاوف من أن يؤدي سعي واشنطن لانتزاع السيادة على غرينلاند من الدنمرك، العضو في حلف الناتو، إلى تصدع غير مسبوق داخل الحلف الذي شكّل لعقود حجر الزاوية في منظومة الأمن الغربي. كما أعاد إلى الواجهة شبح حرب تجارية جديدة بين الولايات المتحدة وأوروبا، بعدما لوّح ترامب سابقًا بفرض رسوم جمركية قاسية على دول تعارض سياساته، بينها تهديده بفرض رسوم بنسبة 200 في المئة على الخمور الفرنسية.
وفي المقابل، حاول وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت التقليل من حدة القلق، واصفًا ردود الفعل الأوروبية بـ"الهستيرية"، في إشارة إلى أن الإدارة الأميركية ترى في المسألة شأنًا استراتيجيًا مشروعًا، لا يستدعي هذا القدر من التوتر، غير أن هذه التطمينات لم تجد صدى واسعًا في أوروبا، حيث سارعت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن إلى إعلان موقف حازم، مؤكدة أنها لن ترضخ لمطالب ترامب، وأنها حسمت أمرها بعدم التخلي عن غرينلاند.
وأشارت فريدريكسن إلى أن عدم استبعاد الرئيس الأميركي لاستخدام القوة العسكرية يفرض على كوبنهاغن التعامل مع هذا الاحتمال بجدية، معتبرة أن ما يصدر عن واشنطن من تصريحات، سواء المعلنة أو المضمرة، يغيّر قواعد التعامل التقليدية بين الحلفاء.
وفي دافوس، حاول القادة الأوروبيون إظهار قدر من التماسك، حيث شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن الاتحاد الأوروبي يجب ألا يخضع لـ"قانون غلبة الأقوى"، داعيًا إلى الاحترام بدل التنمر في العلاقات الدولية.
كما برزت دعوات أوروبية متزايدة لتقليص الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، فقد تحدثت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن "تغيير مزلزل" في البيئة الدولية، يستدعي بناء شكل جديد من الاستقلال الأوروبي، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
وفي هذا السياق، لوّح الاتحاد الأوروبي بخيارات رد تجاري، من بينها فرض رسوم جمركية على واردات أميركية بقيمة 93 مليار يورو، أو اللجوء إلى "أداة مكافحة الإكراه"، المعروفة باسم "البازوكا التجارية".
ورغم أن هذه الأداة لم تُستخدم من قبل، فإن إعادة طرحها على الطاولة تعكس مستوى القلق الأوروبي من تحول الخلاف حول غرينلاند إلى صدام أوسع، قد يمتد من الجغرافيا القطبية إلى الأسواق العالمية، ويعيد رسم ملامح العلاقة عبر الأطلسي في مرحلة شديدة الحساسية.