الذكاء الاصطناعي وخدعة الانبهار

بدلاً من النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره الحل الذهبي، يجب علينا إدراك أن الواقع أكثر تعقيدًا، ويتطلب مقاربات متعددة.

هل نحن فعلاً بصدد ثورة ذكاء خارق، أم أننا وقعنا في أكبر فخ تسويقي في القرن الحادي والعشرين؟

هذا ما دفعني للتوقف طويلاً عند أطروحة "إميلي بندر وأليكس هانا"، في كتابهما "خدعة الذكاء الاصطناعي"، كمرجع مهم لفهم الخطاب السائد حول الذكاء الاصطناعي، وتقديم رؤية نقدية لهذا الخطاب، مُفندًا الادعاءات المتعلقة بحتمية الذكاء الاصطناعي ودوره المزعوم كحل شامل لمشكلات معقدة.

أحد أبرز المواضيع التي يناقشها الكتاب هو فكرة أن الذكاء الاصطناعي سيكون الحل الوحيد لجميع التحديات الاجتماعية والاقتصادية. يشير المؤلفان إلى أن هذه الفكرة تُغفل الجوانب المتعددة للمشكلات المعقدة، مؤكدين أن الحلول الفعالة تحتاج إلى استراتيجيات متنوعة تشمل الأبعاد السياسية، والثقافية، والاقتصادية. بدلاً من النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره الحل الذهبي، يجب علينا إدراك أن الواقع أكثر تعقيدًا، ويتطلب مقاربات متعددة.

علاوة على ذلك، يسلط الكتاب الضوء على المبالغة في تقدير الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، ويُظهر المؤلفان أن الخطاب العام غالبًا ما يُضخم من قدرات هذه التكنولوجيا، مما يؤدي إلى توقعات غير واقعية حول ما يمكن أن تحققه. ويجب أن نكون على أهبة الاستعداد لتحديات متعددة تشمل الأخطاء، والفشل، والأثر السلبي المحتمل على سوق العمل، مما يستدعي فهمًا أكثر توازنًا.

كما يتناول الكتاب تبسيط معقدات التغيير السياسي والاجتماعي الناتج عن الابتكارات التكنولوجية. إن الادعاء بأن الذكاء الاصطناعي يمكنه تغيير المجتمعات بشكل جذري من دون النظر إلى العوامل السياسية والاقتصادية يمكن أن نعتبره قولًا مفرطًا في التفاؤل. ويُعتبر التغيير الاجتماعي نتيجة تفاعل معقد بين العديد من العوامل، وليس مجرد اعتماد كبير على التكنولوجيا.

نقطة محورية أخرى في الكتاب هي مسألة نقص المساءلة. ينتقد المؤلفان غياب الأطر التنظيمية المناسبة التي يمكن أن تحد من الاستخدام السيئ الذي قد ينجم عنه. في ظل غياب المساءلة، تزداد المخاوف المتعلقة بالأخلاقيات والحقوق المدنية. يُعد استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة، خاصة من خلال تقنيات التعرف على الوجه، مثالًا بارزًا على الاستخدام السيئ لهذه التكنولوجيا، حيث تُستخدم هذه الأنظمة من قبل الحكومات لتعقب الأفراد، مما يثير مخاوف كبيرة بشأن انتهاك الخصوصية وحقوق المواطنين. في غياب المساءلة، تصبح محاسبة الجهة المسؤولة عن الأخطاء صعبة، وغالبًا ما تعاني هذه الأنظمة من تحيزات تؤدي إلى استهداف مجموعات معينة بشكل غير عادل، وتؤثر سلبًا على الحقوق المدنية وتحد من حرية التعبير والتنقل، مما يستدعي ضرورة تنظيم استخدام هذه التكنولوجيا لضمان المصلحة العامة وحماية الحقوق الفردية.

مثلما يتحدى مضمون الكتاب الاعتقاد السائد في الحتمية التكنولوجية، الفكرة القائلة بأن التقدم التكنولوجي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، لا يمكن وقفه، وتلميع وجه الآلة لتبدو كإله إنقاذ جديد.

لا يدعونا هذا الكتاب إلى رفض الذكاء الاصطناعي، بل إلى نزعه من قدسيته، وإلى إنزاله من مرتبة "المخلّص" إلى مستوى الأداة، أداة يمكن أن تخدم العدالة أو تعمّق اللامساواة، بحسب من يتحكم بها. وهذا، في النهاية، سؤال سياسة… لا كود.