الدراما الخليجية.. حضور نسائي يعيد رسم ملامح الحكاية
الكويت ـ بعد سنوات طويلة من حصر الأدوار النسائية في إطار الصراع الأسري التقليدي أو صورة "الضحية المستسلمة"، تأتي الأعمال المرتقبة في الموسم الدرامي في رمضان 2026 لتؤكد أن المرأة لم تعد مجرد عنصر مساعد في الحبكة، بل أصبحت المحرّك الرئيسي للأحداث وصاحبة القرار والوجه الأبرز في البوسترات الترويجية.
ومن خلال نظرة فاحصة على قائمة المسلسلات المعلنة، يلاحظ المتابع أن الدراما الاجتماعية الخليجية تخلت تدريجياً عن القوالب النمطية واتجهت إلى الغوص في أعماق النفس البشرية واستكشاف صراعات الأجيال والتحولات القيمية التي تعيشها المجتمعات الخليجية، واضعة المرأة في قلب هذه التحولات لا على هامشها.
ويشهد الموسم الدرامي المقبل تنوعا لافتا في الأدوار النسائية، حيث يمتزج البعد التاريخي بالغموض النفسي والواقعية الشعبية بالقضايا المعاصرة، ضمن نصوص تحاول قراءة المجتمع من زوايا مختلفة، بعيداً عن الأحكام الجاهزة.
ويبرز مسلسل "الغميضة" كأحد أهم الانتاجات التي تتصدرها المرأة، وهو من تأليف هبة مشاري حمادة وإخراج علي العلي، في تعاون يراهن على عمق النص وقوة الأداء.
تقدم هدى حسين شخصية أم كفيفة تعيش حالة من الضعف الجسدي، لكنها تمتلك وعياً إنسانياً عالياً، قبل أن تتعرض للاستغلال من قِبل بناتها لتحقيق مصالح شخصية، كما عبّرت عن حماسها لتجسيد شخصية الأم الكفيفة في المسلسل قائلة، "أردت أن أقدّم نموذجاً مختلفاً للمرأة، ليس من زاوية ضعفها، بل من زاوية قوتها الداخلية وقدرتها على كشف الحقيقة رغم فقدان البصر".
ويطرح العمل تساؤلات أخلاقية جريئة حول مفهوم بر الوالدين، ولكن من منظور مقلوب، يكشف قسوة الجيل الجديد وجشعه مقابل هشاشة الجيل القديم.
اختيار حقبة السبعينيات يمنح المسلسل بعداً كلاسيكياً، ويُبرز التناقض بين الماضي وقيمه، والحاضر بتغيراته المتسارعة، فيما تتجسد المرأة هنا بوصفها ذاكرة المجتمع، وضحيته في آن واحد.
وتعود الفنانة إلهام الفضالة عبر مسلسل "غلط بنات" لتقديم شخصية “فضيلة”، وهي امرأة تنتمي إلى بيئة شعبية، تمثل المرجعية الأخلاقية للأسرة.
وقالت، "أردت أن أُظهر المرأة الشعبية كصاحبة موقف، لا مجرد شخصية ثانوية، فهي قادرة على قيادة الأسرة وحماية قيمها".
ويعتمد المسلسل على طرح اجتماعي مباشر، ويناقش الأخطاء التي تقع فيها الفتيات في ظل التحولات الحديثة، وكيف تحاول الأم التعامل مع هذه المتغيرات دون أن تفقد قيمها الأساسية.
وتكمن أهمية العمل في قدرته على التقاط التوتر القائم بين التقاليد والانفتاح، وبين القيم الشعبية الراسخة ومتطلبات العصر، مقدماً المرأة الخليجية كصاحبة موقف ورؤية، لا مجرد حارسة للعادات.
من جانبها، صرحت الفنانة شجون الهاجري، التي تشارك في مسلسل "لعبة كبار"، أن العمل يقدّم المرأة في موقع القيادة، "أعتقد أن الجمهور سيجد في شخصية القائدة انعكاساً للواقع الجديد، حيث أصبحت المرأة الخليجية جزءاً أساسياً من صناعة القرار".
وأشارت الفنانة أسماء أبو اليزيد، التي تشارك في عمل مشترك خليجي–مصري، إلى أن الدراما الرمضانية المقبلة تمنح المرأة مساحة أكبر، "أشعر أن النصوص باتت أكثر جرأة في طرح قضايا المرأة، بعيداً عن الصورة التقليدية التي اعتدنا عليه".
لا يقتصر حضور المرأة في موسم 2026 على التمثيل فقط، بل يمتد إلى التأليف وصناعة القرار الإبداعي، فوجود أسماء نسائية بارزة في الكتابة الدرامية يعكس تحولاً نوعياً في طريقة تناول القضايا النسائية، حيث تأتي المعالجة أكثر صدقا وعمقا، بعيدا عن التبسيط أو المبالغة.
هذا الحضور خلف الكاميرا أسهم في إعادة صياغة الشخصيات النسائية، ومنحها مساحات أوسع للتعبير عن الصراع الداخلي، والخيارات الصعبة، والتناقضات الإنسانية.
وتكشف المسلسلات المرتقبة عن مجموعة من الاتجاهات الواضحة في تناول صورة المرأة، من أبرزها، التمكين المهني حيث تظهر المرأة كعنصر فاعل في سوق العمل، قادرة على إدارة شؤونها اليومية والمهنية بذكاء اجتماعي، كما في بعض الأعمال الاجتماعية التي تبتعد عن ربط نجاح المرأة بالرجل فقط.
وتتناول يعض الأعمال، الانتقال من سلطة الأب أو العائلة الممتدة إلى تأثير البنات في استقرار الأسرة وقراراتها المصيرية، في انعكاس مباشر للتحولات الاجتماعية.
وتغوص الدراما الخليجية هذا الموسم في الاضطرابات النفسية للمرأة، بعيدا عن التشخيص السطحي، وتقديم شخصيات معقدة تحمل وجوهاً متعددة.
وتم تصوير المرأة هذا الموسم كقائدة لمواجهة أزمات المجتمع، سواء داخل الأسرة أو في المحيط الأوسع، بما في ذلك التفكك الأسري والتغير القيمي.
يلاحظ المتابع للموسم الدرامي القادم اختفاء الشخصيات النسائية المسطحة، وحلول نماذج أكثر قوة وذكاء.
ويطل مسلسل "خطوات صغيرة" كأحد أبرز الأعمال الاجتماعية التي تراهن على تقديم صورة جديدة للمرأة الخليجية، بعيدا عن القوالب التقليدية التي اعتادت الدراما على تكريسها.
وتشارك الفنانة هبة الدري في البطولة من خلال شخصية محورية تحمل أبعاداً إنسانية معقدة، إذ تجسد امرأة تواجه صراعات داخلية وخارجية، بين مسؤولياتها الأسرية وضغوط المجتمع، وبين رغبتها في الحفاظ على توازنها النفسي والعملي. الشخصية التي تقدمها الدري ليست مجرد عنصر ثانوي في الأحداث، بل تمثل خطاً رئيسياً في البناء الدرامي، حيث تدخل في مواجهات حاسمة مع محيطها، وتظهر كصاحبة قرار قادر على تغيير مسار الحكاية.
وقد عبّرت هبة الدري عن حماسها الكبير لهذه التجربة، مؤكدة أن الدور يختلف عن أعمالها السابقة، ويمنحها مساحة أوسع للتعبير عن جوانب متعددة من شخصية المرأة الخليجية.
وقالت، "شخصيتي في خطوات صغيرة ليست نمطية، فهي امرأة تواجه تحديات يومية، لكنها في الوقت نفسه تمتلك قوة داخلية تجعلها قادرة على اتخاذ قرارات صعبة، حتى وإن كانت مؤلمة".
وأضافت، "أردت أن أقدم نموذجاً يعكس واقع المرأة اليوم، التي لم تعد مجرد ضحية أو عنصر مساعد، بل أصبحت في قلب الأحداث وصاحبة تأثير مباشر".
هذا التحول لا يمكن فصله عن الواقع الخليجي المعاصر، حيث تشغل المرأة اليوم مناصب تنفيذية وتشريعية، وتلعب دوراً محورياً في التنمية، سواء في السعودية ضمن رؤية 2030، أو في الكويت والبحرين والإمارات.
وفرض هذا الواقع على كتّاب السيناريو تحديث أدواتهم، لتصبح الدراما انعكاساً لهذه القوة المتنامية.
الدراما الخليجية اليوم لم تعد مرآة للواقع فقط، بل أصبحت مختبراً لاستشراف مستقبل العلاقات الإنسانية في ظل التمكين النسائي.