الضفيرة سلاح حرب في معركة السرديات السورية على مواقع التواصل
الحسكة (سوريا) - أطلقت نساء كرديات شمال سوريا وكردستان العراق حملة "الضفيرة" بعد انتشار مقطع فيديو لمقاتل من الجيش السوري وهو يمسك ضفيرة مقاتلة كردية قتلت قبل أيام ويتباهى بقصها"، في سلوك متعمد لإهانة المقاتلات ما فتح جدالا حول مقاطع الفيديو التي تجتاح المنصات الاجتماعية وتؤجج الكراهية بمزاعم ارتكاب الطرف الآخر لجرائم حرب دون التحقق من صحة هذه المواد المنشورة.
وبعد دخول قوات وزارة الدفاع السورية إلى مناطق سيطرة "قسد"، انتشرت مشاهد لتحطيم قبور وإطلاق إهانات بحق الأكراد، بينما في الطرف المقابل انتشرت صور تظهر مقاتل من "قسد" يبتسم وخلفه عشرات الجثث من المدنيين العرب.
غير أن مقطع الفيديو الذي صور المقاتل السوري يحمل الضفيرة وتبين أنه ُيدعى رامي يوسف الدهش حمل رمزية كبيرة، مع انتشاره الواسع واعتباره نموذجا لتعمد المساس بكرامة الكرديات.
وأكد ناشطون كرد أّن قتل المقاتلة والاعتداء على تفاصيل تخص ملامحها هو "رسالة كراهية" ضد أي امرأة كردية وضد كرامتها، مشّددين على مكانة الضفيرة الرمزية ضمن الثقافة الكردية. ما دفع العديد من النساء إلى إطلاق حملة تضامن مع المقاتلة التابعة على الأرجح إلى "وحدة حماية المرأة" بحسب ما ذكرت تقارير إخبارية.
وركزت الحملة التي شاركت فيها نساء بارزات في أنحاء العالم، على الاحتفاء بالضفيرة التقليدية كرمز للقوة وللكرامة عند النساء الكرديات.
وانتشرت فيديوهات وصور تظهر فيها النساء الكرديات وهّن يضفرن جدائلهن ويتبادلنها، وأرفقوها بشعارات عدة أهمها "امرأة.. حياة.. حرية".
وامتدت موجة التضامن الكردية والاحتجاجية إلى العراق وتركيا وبعض الدول الأوروبية. حيث يعتبر الأكراد الضفيرة ليست مجرد تسريحة شعر، بل هي رمز ثقافي وتاريخي عميق يعكس إرثا يمتد لقرون، ويعبر عن الانتماء والهوية والشجاعة، وبالنسبة للمقاتلات فإن الضفيرة ليست فقط تسريحة أو عنصرا جماليا، بل تسريحة عملية تحفظ الشعر بعيدا عن المعركة، وتُمكّن المرأة من أداء مهامها القتالية بكفاءة دون أي عائق.
وبعد تحديد هوية المقاتل السوري رامي يوسف الدهش، تبّين أنه من عين عروس بتل أبيض، وسبق له أن انخرط في صفوف "جبهة النصرة"، بحسب ما تم التداول به.
وخرج الدهش في مقطع فيديو ليبرر تصرفه خلال الساعات القليلة الماضية، زاعما أن الضفيرة ليست حقيقية وتم تصوير المقطع كـ"مزحة" ولم تكن هناك نية لنشره، لكن من قام بالتصوير نشره دون علم الدهش، لكن التبرير اعتبر مسيئا وأكثر استفزازا.
وشهدت سوريا مواجهات عدة بين قوات "قسد" والجيش السوري وفي الأيام الأخيرة، سيطر الجيش السوري، بمساعدة مقاتلي العشائر، على مساحات واسعة من المناطق التي كانت تحت سيطرة "قسد" شمالي سوريا، للمرة الأولى منذ أكثر من عقد من الزمان.
وتتصادم الرؤى حول شكل الدولة السورية المستقبلية في خطاب الطرفين، فالسردية الكردية تركز على مفهوم "أخوة الشعوب" و"الأمة الديمقراطية". وترى أن المركزية العربية التي استمرت لعقود هي سبب دمار سوريا، وأن الحل يكمن في "اللامركزية السياسية" التي تضمن حقوق المكونات القومية.
في المقابل فإن السردية العربية التي تمثلها الحكومة الجديدة تنظر بريبة إلى هذا المشروع وتصفه بـ"الانفصال المقنّع". ويتم التأكيد في هذا الخطاب على أن سوريا "دولة واحدة موحدة" وأن أي خصوصية عرقية يجب أن تذوب في "الهوية الوطنية السورية" الشاملة، مع اتهام القوى الكردية باستغلال ظروف الحرب لفرض "أمر واقع" جغرافي.
وتعتبر الأسماء الجغرافية وقوداً لهذه الحرب حيث يستخدم الإعلام الكردي مصطلح "كردستان سوريا" أو "روج آفا" للتأكيد على الحق التاريخي في الشمال الشرقي، معتبرين أن سياسات "الحزام العربي" في الستينات كانت محاولة لتغيير ديموغرافيا منطقتهم. بينما يصر الطرف العربي على استخدام تسميات "الجزيرة" و"شرق الفرات"، ويرى أن التسميات الكردية هي "تكريد" لمنطقة ذات أغلبية أو ثقل عربي وقبلي كبير، محذرين من "تغيير ديموغرافي مضاد" يستهدف العرب في تلك المناطق.
وهناك ناشطين عبروا عن استيائهم من الحملة التي تركز على الضفيرة، وتتجاهل المدنيين الذي استهدفتهم قوات "قسد"، معتبرين أن هناك ازدواجية في المعايير وحرب سرديات لصالح "قسد" التي ارتكبت خلال سنوات سيطرتها على مناطق واسعة من شمال سوريا بمافيها مناطق ذات أغلبية عربية، انتهاكات واسعة.
وذكرت تقارير عديدة أن "قسد" تقوم بتجنيد الفتيات والأطفال في قواتها بما يخالف المواثيق الدولية.
ونشرت ناشطة مقطع فيديو مضاد وهي تقص شعرها استنكارا لممارسات "قسد"، مشيرة الى ارتكابها جرائم بحق العرب فأرادت تذكير أصحاب ترند الضفيرة بما يحدث.
وقارنت ناشطة أخرى بين الضفيرة وأرواح المدنيين الذين استهدفتهم "قسد" متسائلة أيهما أكثر قدسية لدى جمهور مواقع التواصل الاجتماعي.
وركز ناشطون على فكرة السرديات التي يروج لها كل طرف بقوة بين جمهوره، فالفرق الجوهري بين جريمتي الحرب هو جمهور كل طرف. وأشار أحدهم إلى أن جريمة الحرب هي كل انتهاك يحصل بعد موت أي طرف من أطراف القتال. أي التصوير مع الجثث هي جريمة حرب، مثلها مثل حرق الجثث أو رميهم من الشرف.
وبالتزامن مع المعارك الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي والتي باتت في سوريا أكثر شراسة من الواقع على الأرض، قالت وزارة الداخلية السورية الجمعة إنها تسلمت سجن الأقطان في الرقة بشمال شرق سوريا، والذي كان تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد.
ويضم السجن نزلاء مرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية، وشهد محيطه هذا الأسبوع اشتباكات بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.
وبموجب اتفاق دمج شامل تم التوصل إليه الأحد، من المفترض نقل مسؤولية السجون التي تضم معتقلي التنظيم إلى الحكومة السورية.