رواية 'الوعود اليتيمة' فضاء متعدد الطبقات يلتقي فيه الحلم بالواقع

الرواية بأكملها سيمفونية تتداخل فيها الأصوات: ذكريات، سير الشخصيات، صور إخبارية، شعارات إعلانية، كلها تتجاوب لتخلق فضاء أدبيا.

ليست "الوعود اليتيمة" لجيل مارشان مجرد رواية، إنما فضاء متعدد الطبقات حيث يلتقي الحلم بالواقع، وتتحول الذكريات إلى مرايا للحياة، متسائلة عن سبب عيشنا لها.
تفتتح الرواية عند نهاية حياة جينو، المولود عام 1946، ابن مهاجر إيطالي يشارك في تشييد تلفريك "إيغوي دو ميدي".
 تجسد هذه القمة، بما تحمله من رهبة وسمو، تلك الفكرة الفلسفية التي ترى أن العظمة الإنسانية لا تتجلى في الراحة، إنما في سعي الإنسان الدائم إلى تخطي حدوده. غير أن القمة ليست رمزا مجردا؛ فهي مكان عمل الأب، قلب الابتكار التقني في فترة الثلاثين المجيدة 1945-1975، وموضع افتتان جينو بوالده الذي يعيش في صميم اختراعات القرن.
في المقابل، يذهب جينو الطفل للعيش في الريف، بعيدا عن باريس الحديثة، فيشعر بأنه يفوّت قطار الحداثة، وهو إحساس يجعل من التلفريك الصاعد نحو القمة صورة مضادة لحياته الثابتة على الأرض، فيما تحمل ذاكرته ووعود طفولته نبضات المدينة التي غادرها.

من تلك اللحظة، يصبح الماضي حاضرا مستمرا، والحاضر يغذي الذاكرة، تماما كما اعتبر فلاديمير سولوفيوف في تأملاته حول الزمن والوعي، أنّ إدراك الإنسان للزمان هو إدراك مستمر للذات وعلاقتها بما مضى وما سيأتي. كل لحظة طفولة، كل وعد صغير، وكل فشل أو حلم يصبح حجر أساس في بناء الذات، وكأن الذاكرة نفسها آلة تحافظ على الأحلام كمواد خام للتجربة الإنسانية.

ليست "الوعود اليتيمة" رواية عن الطفولة أو الحب أو التقنية فحسب، إنما دراسة فلسفية عن كيفية تشكل الذات بين الذاكرة والحلم والعمل، وكيف يتحول السرد إلى شكل من أشكال البقاء.

يقف جينو الذي نشأ في الريف بعيدا عن حداثة باريس، على مفترق طرق بين إرث والده وحياته البسيطة، وكأنه يريد أن يطرح سؤالا فلسفيا: هل الإنسان يختار واقعه أم أن الواقع يختاره؟ وهل الحلم فعل هروب أم فعل خلق؟ في هذا الصراع النفسي، يمكن استحضار فرويد الذي كتب في تحليل الأحلام "الحلم هو طريق الملكية الخاصة للذات نحو الحقيقة الخفية"، هنا تصبح أحلام جينو ليست فقط وسيلة للنجاة النفسية، إنما أيضا أداة فلسفية لاختبار حدود الإنسان بين الفعل والمأمول.

يتفاعل الطفل الداخلي والذات البالغة في آن، مثل الأمير الصغير لسانت إكسوبيري، الذي يسافر بين الكواكب بحثا عن الحب والفهم، حيث كل لقاء وكل حدث يصبح رمزا لمحاولة الإنسان فهم دوره في الوجود، وتجربة لإدراك معنى القرب والبعد، الحب والفقد.

ومع ذلك، يمكن التساؤل إن كانت الرواية أحيانا تُفرط في تلميع الحلم، متجاهلة قسوة الواقع الاجتماعي الذي يعيشه أبناء المهاجرين، وهل تضخّم فكرة "الحلم" على حساب ثقل الحياة اليومية، أو تحوّل الماضي إلى صورة رومانسية إلى حد قد يحجب آلامه الحقيقية.

لا تعطينا هذه الرواية إجابات جاهزة، إنما تعلّمنا كيف نعيش مع الأسئلة، كيف نحتفظ بطفولتنا دون أن نعلّق حياتنا بها

ليست الكرة الثلجية التي يشتريها جينو من مهرجان صغير مجرد لعبة؛ إنها استعارة للزمن والمشاعر، مساحة لتجميد اللحظة، واستحضار الذاكرة، واستكشاف الرغبة في الإمساك بالحب والفقد والحنين. تتجسد داخل هذه الكرة "الوعود اليتيمة" التي يحملها الإنسان منذ الطفولة، تماما كما يصف هايدغر في الوجود والزمن العلاقة بين وعي الإنسان بذاته وإدراكه للزمان، حيث يصبح إدراكنا للذات مرتبطا بما نتذكره وما نأمله. الكرة الثلجية، بهذا المعنى، تعمل كنافذة نحو الذات، تتيح للإنسان استشراف أعماق نفسه ذاته عبر الماضي والحلم معا.

كل رجوع إليها يشبه رحلة نحو الداخل، بحثا عن ما تبقى من الحلم، عن الأنا الطفلة التي لم تفقد الأمل، وعن الرغبة في الإمساك بالوقت قبل أن يمر، وهو ما يشبه ما كتبه تولستوي في الحرب والسلام "كل لحظة عابرة تحمل في طياتها الكون بأسره".

روكسان، الفتاة التي التقى بها جينو في تلك القرية الصغيرة، ليست مجرد حب أول، إنما إطار نفسي يعبّر عن كل الانتظارات الخيبات والشغف المكبوت في أعماقه. يمكن اعتبارها امتدادا لمشروع الذات، المرآة التي تعكس الحنين للماضي، والوعي بالزمن الضائع، والرغبة في الاستمرارية.

كل لقاء معها، كل تذكر لها، هو اختبار للحياة، محاولة لفهم معنى الحب والعاطفة في إطار الزمن البشري. وهنا تتلاقى الرغبة بالحياة مع الحلم بالإبداع، كما لو أن الكرة الثلجية وروكسان يشكلان معا جهاز قياس عاطفي يحدد الترددات الدقيقة للشغف الإنساني، تماما كما كتب نيقولاي غوميليوف عن الحب والشغف "الحب ليس لحظة، إنما قوة تدفعنا عبر الزمن". ليس الحب، في الرواية، مجرد شعور، إنما فعل وجودي، تجربة فلسفية تجمع بين الوعي واللاوعي، بين الفقد والاكتشاف، بين الذاكرة والخيال.

عند التحاقه بالمدرسة، يكتشف جينو أن الحكاية قوة، وأن السرد ليس مجرد تسلية، إنما وسيلة للبقاء في ذاكرة الآخرين، لفهم الذات، وممارسة الحرية الداخلية. تصبح العمة العجوز، التي تزوره أحيانا، رمزا للحكمة وتجربة العيش المعرفي، تعلمه أن كل فشل وكل حلم صغير أو كبير هو حجر في بناء الهوية الإنسانية. وهكذا تتحول أحلام جينو، حتى تلك التي تبدو مستحيلة كأن يصبح مهندسا رغم درجاته الضعيفة، إلى تمارين على الصبر، على قبول الذات، وعلى الفهم العميق بأن العمل الحقيقي يقاس بالشغف لا بالمناصب. تتقاطع هذه العلاقة بين الحلم والعمل مع فكرة جان بول سارتر في الوجود والعدم: "ليست الحرية امتلاكا للخيارات فحسب، إنما مسؤولية مستمرة عن اختيار الذات".

حين يكتشف جينو قوة الحكاية، يدرك أن الإنسان الحقيقي لا يكتفي بأن يعيش فحسب، بل يسعى لفهم حياته كما لو كانت قصة تُروى، وأن من يتحكم في سرد هذه القصة يمتلك جزءا من مصير صاحبها.

حين يقف أمام مشروع "أيروترين"، القطار الهوائي الذي سيقطع المدن بسرعة تفوق 400 كم/س، ندرك أن الرواية تتحول إلى تأمل فلسفي حول العلاقة بين الإنسان والآلة، بين المستقبل والحلم. ليس القطار هنا مجرد ابتكار تقني، إنما سؤال وجودي: كيف يمكن للإنسان تحويل المستحيل إلى ممكن؟ كيف يمكن للخيال أن يصبح واقعا؟ وما معنى أن تسافر فكرة أسرع من الزمن نفسه؟ يصبح الحلم أداة لفهم الواقع، والسعي خلفه فعلا أخلاقيا، كما لو أن المستقبل نفسه يحتاج إلى الجرأة والشغف لإثبات وجوده، وهذا يتماشى مع فلسفة مارشال ماكلوهان حول الوسائل التقنية، التي ترى أن الأدوات التي نبتكرها تؤثر فينا وتعيد تشكيل وعينا وطريقتنا في إدراك العالم.

لا يرمز الأيروترين فقط للتقدم، إنما يكشف توترا داخليا لدى جينو: رغبته في الهروب بسرعة من الماضي، وفي الوقت نفسه العودة إليه؛ كما أنه يحمل بعدا اجتماعيا يتعلق بحلم الطبقة العاملة بالتجاوز، وبعدا نفسيا يكشف انجذابه إلى السرعة كتعويض عن ما شعرت به طفولته من هشاشة أو محدودية، وبُعدا رمزيا يجعل القطار صورة للزمن نفسه وهو يندفع بلا توقف.

الرواية بأكملها كسيمفونية، حيث تتداخل الأصوات: ذكريات، سير الشخصيات، صور إخبارية، شعارات إعلانية، كلها تتجاوب لتخلق فضاء أدبيا متعدد الطبقات.

يتحرك المشهد بين الماضي والحاضر والحلم، بين الواقع والرمز، تماما كما في أعمال بورخيس، حيث يصبح الزمن والذاكرة لعبة معقدة، والحكاية أداة للتأمل في وجود الإنسان. كل رمز، من الكرة الثلجية إلى القطار الهوائي، وحتى المهرجان الصغير، يتحول إلى مرجع نفسي وفلسفي؛ يصبح المكان ذاكرة، وتصبح الأشياء حاملة للأفكار، وتحل القصص محل الزمن نفسه.

في هذا المعنى، يمكن قراءة الرواية جنبا إلى جنب مع أعمال فلاديمير سولوفيوف في تأملاته عن الزمن والوعي، ومع الأمير الصغير في احتفائها بالبراءة والمعنى، ومع أعمال باتريك موديانو في انشغالها بالأطياف والآثار والوجوه التي تختفي ثم تعود.

يمثل جينو، الحالم الصغير، الإنسان الذي يمزج بين الحلم والعمل، بين العطاء والذات، بين الانتظار والفعل. تنقله عمته العجوز، بحكمتها ونصائحها، من عالم الطفل إلى عالم الفهم، وتعلمه أن الحب والكرم والإبداع أهم من أي إنجاز مادي. تعلمه أن ينقذ الآخرين قبل أن ينقذ نفسه، أن يزرع الحماس، وأن الإنسانية لا تُقاس بالنجاحات الظاهرية، إنما بالقدرة على الحب والعطاء والاستمرار في الحلم.

في قلب الرواية، يبدو كل شيء سؤالا مستمرا: هل نحن مجرد شهود على الحياة، أم صناع لها؟ هل السعادة قابلة للقياس، أم هي لحظة تتفتح في قلب كل تجربة، وكل حكاية، وكل حلم؟ وما معنى أن نستعيد الماضي لنفهم الحاضر ونخطط للمستقبل؟ جينو وجيل مارشان يقدمان لنا إجابة واحدة: أن الحياة رواية مستمرة، وأن كل وعد وكل حلم وكل قصة دليل على أننا أحياء، وأن الحلم والكتابة والعمل -معا- هم السبيل إلى فهم الذات.

لا تعطينا هذه الرواية إجابات جاهزة، إنما تعلّمنا كيف نعيش مع الأسئلة، كيف نحتفظ بطفولتنا دون أن نعلّق حياتنا بها، وكيف نحلم دون أن نهرب من الواقع.

وأخيرا، كأني أسمع هذا النص يهمس بالتالي: مهما أثقلنا الفقد، فلن يبلغ حدّ الخسارة ما دامت فينا القدرة على الحلم، والكتابة، والحب. كل نجمة ساقطة، كل وعد صغير، هو بداية رحلة لا تنتهي، وكل قصة تُروى تخلق وجودا جديدا. ليست القراءة هنا مجرد متابعة للحبكة، إنما تجربة فكرية، نفسية، وفلسفية: رحلة في أعماق الإنسان، حيث يصبح كل شيء، حتى أصغر التفاصيل، علامة على الإمكان والاحتمال والحرية. إنها دعوة لنرفع أعيننا نحو السماء، لنطلق أحلامنا، ونؤمن بأن كل حلم أو أمل، مهما كان صغيرا، يمكن أن يحوّل حياتنا إلى قصة جديرة بالعيش.