صباح الخير يا شام.. 72 ساعة في قلعة العروبة

دمشق.. مدينة لا ترى بالعين فقط، بل تُشم وتلامس وتحبك قبل أن تحبها.

لعل أول شعور ينتابك عندما تصل دمشق، هو الرغبة في البكاء، أو قد تنهمر دموعك من دون استئذان، ومع محاولتك مسحها أو إخفاءها عن الآخرين، تشعر بتضخم في القلب أو ضيق في الرئة (لا أعلم بالضبط)..

وما إن يهدأ انهمار الدمع، وتستقر الأنفاس قليلا وأنت تتمشى في أزقة "باب توما" و"القيمرية" و"باب شرقي"، وروائح الياسمين والقهوة تهب عليك من كل ناحية وصوب، وعينك مأخوذة بما ترى.. تقرأ فجأة عبارة مكتوبة على جدار عتيق: دمشق في القلب.. 

الآن ستفهم، لماذا يوجعك القلب، لأن دمشق لا تسكن الذاكرة، بل تقيم في القلب.. ودموعك لم تكن ضعفاً، بل لأن المدينة أقوى من دفاعاتك كلها.. والياسمين - رغم كل ما جرى - ما زال يصر على أن يزهر.

الآن ستعرف، أن صدرك يضيق لا لنقص الهواء، بل لفرط المعنى.. كأن دمشق تدخل الرئتين دفعة واحدة: تاريخها، وجراحها، وخيباتها، وصبرها.. وأحمد شرعها.

إن ما تشعر به ليس ألماً حقيقيا، بل امتلاء وجداني يفوق قدرة الجسد على الاحتمال، لأن القلب لم يخلق ليحتوي كل هذا الحس الوجداني من حزن نبيل وجمال مكسور.. دفعة واحدة.

إنها مدينة داخل زجاجة عطر "ترش" منها بحذر، خوفاً من انقضائها وخشية أن يفيض قلبك قبل أنفك. تلك هي دمشق.. مدينة لا ترى بالعين فقط، بل تُشم، وتلامس، وتحبك قبل أن تحبها.

إنها ليست مدينة تسكنها.. بل هي مدينة تسكنك، تدخلها غريباً، فتخرج منها محملاً بما لا يُفسر: حنين بلا سبب، طمأنينة تشبه حضن أم أو حبيبة، وحزن جميل لا تريد له أن يزول.

مدينة مليئة بالألم، لكنها لا تستعرضه، بل تخبئه في التفاصيل الصغيرة، في رائحة القهوة، وفي طريقة مشي الناس، وفي الأبواب الخشبية العتيقة، وفي صبر النوافذ، وفي صمت البيوت التي تعلمت أن تحب من دون أن تسأل عن الثمن، وأن تذكرك بشيء جميل ولا تخبرك ما هو.

إنها مدينة لا تكره حتى حين تُؤذى، لأنها تعرف أن الكراهية تقصر العمر، وهي تريد أن تعيش طويلاً.. طويلاً بما يكفي لتعلم الأجيال، وأن المدن مثل البشر: تنجو بالحب.. لا بالقوة.

إنها دمشق.. قلعة العروبة التي أُنهكت حين عُطلت إرادة أكثريتها، وحين استبدلت العروبة بعصبيات ضيقة، والمدينة بدولة مخابرات، والوطن بمزرعة خوف.

لم تُختطف في الحرب فقط، بل اختُطفت يوم فصلت عن معناها، يوم صارت الطائفة دولة، والدولة طائفة، ويوم ربط قرارها بغير لغتها، وتحول الدم السوري من حق في وطن، إلى أداة في صراع الآخرين.

إنها رغم كل شيء زاهية.. مصرة على استرداد حقها وهويتها وصوتها الذي خنق طويلاً، إنها تستعيد أكثريتها.. وتصحح مسار عروبتها الذي انحرف خمسين عاماً.. لا تقصي أحدا .. ولا تختصر في ضريح، ولا تعيش على ذاكرة الانتقام.. مدينة تطبق مقولة فيصلنا الأول: الدين لله والوطن للجميع..

إن مشهد نسوة دمشق وهن ينثرن الياسمين على موكب فيصل الأول وجنده العرب الأقحاح حتى غطسوا فيه، وغنوا له (زينو المرجة والمرجة لينا، شامنا فرجة وهي مزينة)، عاد.. وهويتها العربية عادت.. ومعناها عاد. 

بعد اثنتين وسبعين ساعة، لم أر دمشق كلها، لكني عرفت ما يكفي أنها لا تموت.. مدينة تتعب، تتألم، تنزف، لكنها لا تنتهي، ومهما حاولوا اختصارها، اتسعت، ومهما حاولوا إسكاتها، سنرى أن صوتها العربي يجد منفذا ليصرخ ويتكلم.. كيف لا وهي قلب العروبة النابض.