الأردنيون يوسّعون حضورهم بثبات في الدراما العربية
عمّان ـ شهدت الدراما العربية خلال السنوات الأخيرة تحولات بارزة على مستوى الإنتاج والتوزيع، وانفتاحًا غير مسبوق في تبادل المواهب بين الدول العربية. ومن أبرز ملامح هذا التحول الحضور المتزايد للممثلين الأردنيين في الدراما السورية والمصرية والخليجية، بعد سنوات طويلة ظلّ فيها هذا الحضور محدودًا أو محصورًا في أدوار ثانوية أو مشاركات عابرة.
وأصبحت الأسماء الأردنية عناصر فاعلة في صياغة الحكاية، تحمل أدوارًا محورية وتخوض تجارب فنية معقّدة في أعمال جماهيرية كبرى تُعرض في المواسم الرمضانية وعلى المنصات الرقمية.
وشكّلت الدراما السورية تاريخيًا البوابة الأوسع لدخول الممثل الأردني إلى الفضاء العربي، مستفيدة من القرب الثقافي واللغوي، ومن طبيعة الإنتاج السوري التي اعتمدت طويلًا على الكفاءات المسرحية والأداء الواقعي. وتطور هذا الحضور، لم يعد الممثل الأردني ضيفا، بل شريكا أساسيا في أعمال ذات ثقل فكري وفني.
في هذا السياق، يبرز اسم منذر رياحنة من خلال مشاركته في المسلسل السوري "المحام"، وهو عمل جريء تدور أحداثه داخل قاعة محكمة دولية افتراضية تُفتح فيها ملفات جرائم الاحتلال الإسرائيلي ومجازره خلال حربه على غزة.
ويعتمد المسلسل على مزيج من التوثيق والدراما، مانحًا الصوت لشهادات غُيّبت عن ساحات العدالة العالمية. ويؤدي رياحنة دور محامٍ يدافع عن القضية الفلسطينية بشحنة وجدانية عالية، وهو ما أكده منتج العمل عدي عزي، مشيرًا إلى أن رياحنة كان متقمصًا للدور بصدق نظرًا لارتباطه الشخصي بالقضية، وقد سبق أن عبّر عن ذلك علنًا في مناسبات دولية.
ومن جهتها، واصلت الفنانة أمل الدباس حضورها العربي عبر مشاركتها في الجزء الثاني من المسلسل الكوميدي "يا أنا يا هي" إلى جانب النجمة السورية أمل عرفة، بالتوازي مع مشاركتها في المسلسل السوري "السبع".
ويقدّم المسلسل تجربة كوميدية اجتماعية سوداء تقوم على صراع نسوي ذكي داخل بيت دمشقي، حيث تفقد شخصية "سوزان" ذاكرتها لتصبح ضحية استغلال في إطار ساخر يعكس أزمات الأسرة العربية. ويؤكد العمل قدرة الممثل الأردني على تجاوز حاجز اللهجة والاندماج في السياق المحلي السوري دون افتعال.
في المقابل، تبقى الدراما المصرية الساحة الأوسع تأثيرًا وانتشارًا، والمشاركة فيها تُعد اختبارًا حقيقيًا لأي ممثل عربي. وقد نجح عدد من الممثلين الأردنيين في فرض أسمائهم داخل هذا السوق عبر أدوار مركّبة تجاوزت صورة "الممثل العربي الضيف".
ويواصل النجم إياد نصار ترسيخ مكانته كأحد أعمدة الدراما المصرية من خلال مسلسل "صحاب الأرض" في موسم رمضان 2026، وهو عمل إنساني يتناول تداعيات الحرب على غزة.
ويقدّم نصار دورًا شديد التعقيد يجمع بين الصمود النفسي والانكسار الإنساني، وهو دور لا يعكس فقط نضجه الفني، بل يكرّسه كفنان صاحب موقف وقضية، قادر على توظيف نجوميته في طرح أسئلة أخلاقية وإنسانية كبرى.
يشهد عام 2026 حضورًا لافتًا للمواهب الأردنية الشابة في القاهرة، حيث تسجّل أسماء مثل سارة يوسف ويزن عيد وتارا عبود مشاركات بارزة في أعمال جماعية وبطولات مهمة.
وبعد نجاحها في "مدرسة الروابي"، تنتقل سارة يوسف إلى الدراما المصرية عبر "صحاب الأرض"، فيما يجد يزن عيد مساحة جديدة للتعبير عن أدواته التمثيلية في الدراما المعاصرة، وتواصل تارا عبود ترسيخ حضورها في أعمال تمهّد لنجومية عربية أوسع.
وتأتي مشاركة تارا عبود في "صحاب الأرض" ضمن حالة من النشاط الفني اللافت التي تعيشها خلال الفترة الحالية، إذ تشارك أيضًا في الموسم الرمضاني نفسه من خلال المسلسل الكوميدي "فخر الدلتا" بطولة أحمد رمزي، ومن تأليف عبدالرحمن جاويش وإخراج هادي بسيوني. أما أحدث أعمالها التلفزيونية، فهو مسلسل "مدرسة الروابي للبنات 2" المعروض على منصة نتفليكس ضمن قائمة أعمالها الأصلية، والذي حقق أعلى نسب مشاهدة عالميًا عند انطلاقه.
أما في الخليج، فقد فتحت الطفرة الإنتاجية المتسارعة، لاسيما في السعودية والكويت والإمارات، آفاقًا واسعة أمام الممثل الأردني الذي وجد في هذه السوق المتنامية مساحة حقيقية لتقديم أدوار نوعية تتجاوز الحضور الشكلي أو الأدوار النمطية. ومع ازدياد حجم الإنتاج وتنوّع الموضوعات المطروحة، باتت الدراما الخليجية تبحث عن ممثل يمتلك أدوات أداء عالية وخبرة مسرحية وقدرة على تجسيد التحولات النفسية العميقة، وهي عناصر لطالما ميّزت المدرسة الأردنية في التمثيل.
ويبرز اسم منذر رياحنة في دراما الخليج لعام 2026 من خلال مشاركته اللافتة في المسلسل الكويتي "أعوام الظلام"، وهو عمل مستند إلى قصة حقيقية هزّت الرأي العام الكويتي لما تحمله من أبعاد إنسانية واجتماعية حساسة.
قدّم رياحنة دورًا مركزيًا يتسم بالتركيب النفسي والانفعال الداخلي الهادئ، مجسّدًا شخصية تمر بتحولات قاسية بين الصدمة والصمت والمواجهة. وتميّز أداؤه بالابتعاد عن المبالغة أو الاتكاء على الصورة النمطية للممثل غير الخليجي، ما جعله منسجمًا تمامًا مع البيئة المحلية وقريبًا من وجدان الجمهور.
هذا الحضور اللافت لرياحنة يعكس ثقة متزايدة من صنّاع الدراما الخليجية بالممثل الأردني، ليس فقط كأداة تنفيذية، بل كشريك فني قادر على حمل ثقل الحكاية والمشاركة في صياغة البعد الإنساني للنص. وقد أسهمت هذه التجربة في ترسيخ صورة الفنان الأردني بوصفه ممثلًا مرنًا قادرًا على محاكاة الوجع الإنساني الخليجي بكل تفاصيله الدقيقة.
في السياق ذاته، واصلت ركين سعد توسيع حضورها في الدراما الخليجية عبر مشاركتها في أعمال اجتماعية معاصرة تُعرض على المنصات الرقمية، من أبرزها مسلسل "أب ولكن" الذي جمعها بنجوم من الخليج ومصر. وقدّمت ركين شخصية نسائية مركّبة تعكس صراعات الهوية والأمومة والعلاقات الأسرية في مجتمع خليجي يشهد تحولات اجتماعية متسارعة.
وتميّز أداؤها بالقدرة على التنقّل السلس بين اللهجات وبناء شخصية قريبة من الواقع، ما عزّز حضورها كواحدة من أبرز ممثلات الجيل الجديد القادرات على العمل في بيئات درامية متعددة.
ولم تقتصر المشاركات الأردنية في دراما الخليج 2026 على الأعمال الاجتماعية المعاصرة، بل امتدت بقوة إلى الأعمال التاريخية والملحمية، وفي مقدمتها المسلسل الضخم "أبطال الرمال" الذي يُعد من أبرز إنتاجات العام. وضمّ العمل نخبة من الفنانين الأردنيين، من بينهم عبدالكريم القواسمي وعاكف نجم ونضال نجم، حيث أُسندت إليهم أدوار قيادية جسّدوا من خلالها شخصيات تاريخية وقبلية محورية.
استثمر صنّاع العمل الخبرة الأردنية العريقة في الدراما التاريخية، سواء على مستوى الأداء باللغة العربية الفصحى أو في بناء الشخصية الملحمية القائمة على الحضور الجسدي والإلقاء والفروسية. وأسهم هذا الحضور في إضفاء مصداقية فنية عالية على العمل، معزّزًا صورة الأردن كمدرسة رائدة في هذا النوع من الدراما، وقادرة على رفد الإنتاج الخليجي بخبرات متراكمة.