'الباء تحته نقطة' رحلة إنسانية عبر ضحك وتأمل
يواصل مسلسل 'الباء تحته نقطة' ترسيخ حضوره الجماهيري مع انطلاق جزء جديد، مستندًا إلى النجاح اللافت الذي حققه في أجزائه السابقة، ومؤكدا مكانته كأحد أبرز الأعمال الدرامية التي اختارت الكوميديا الاجتماعية طريقًا لمعالجة قضايا إنسانية عميقة، دون مباشرة أو خطابية. ويسعى المسلسل إلى دفع المتابع إلى التأمل في واقع اجتماعي معقد، تتقاطع فيه قضايا التعليم، والاندماج، والهوية، وتمكين المرأة.
تدور أحداث المسلسل حول مجموعة من النساء من جنسيات وخلفيات اجتماعية مختلفة، يجتمعن في مدرسة لمحو الأمية، في محاولة لتعلم القراءة والكتابة، كل واحدة منهن مدفوعة بدافع خاص، وحكاية شخصية مليئة بالتحديات.
هذا الإطار البسيط ظاهريا يتحول، مع تطور الحلقات، إلى مساحة درامية غنية، تكشف عن صراعات داخلية، وأحلام مؤجلة، وعلاقات إنسانية تنسجها التجربة المشتركة داخل الصف الدراسي.
ويعتمد 'الباء تحته نقطة' على كوميديا الموقف والاختلاف، حيث يشكّل تنوع الجنسيات واللهجات عنصرًا أساسيًا في خلق المفارقات الساخرة. فاختلاف طرق التعبير، وسوء الفهم اللغوي أحيانًا، لا يُقدَّم للسخرية من الشخصيات، بل ليعكس واقعًا عربيًا مشتركًا، يجتمع فيه التنوع تحت سقف واحد.
ومع كل موقف كوميدي، ينجح العمل في تمرير رسالة إنسانية، تؤكد أن الجهل ليس عيبًا، وأن التعلم حقّ، بل ضرورة للاندماج والمشاركة الفاعلة في المجتمع.
ويشارك في بطولة المسلسل نخبة من الفنانين العرب، في مقدمتهم الفنانة المصرية سوسن بدر، التي تقدم شخصية تحمل مزيجًا من الصلابة والهشاشة، امرأة دفعتها ظروف الحياة إلى تأجيل تعليمها، لكنها تعود إليه بإصرار نابع من رغبة عميقة في استعادة ذاتها.
وأكدت سوسن بدر، أن ما جذبها إلى العمل هو "الصدق الإنساني في النص"، مشيرة إلى أن المسلسل "يُضحك المشاهد، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام أسئلة حقيقية عن الفرص الضائعة، وعن النساء اللواتي لم يُتح لهن حق الاختيار".
من جهتها، تقدم الفنانة السورية شكران مرتجى أداءً لافتًا، بشخصية تعتمد على الكوميديا العفوية، لكنها تخفي خلف خفتها وجعًا داخليًا وتجربة حياة قاسية. وترى مرتجى أن 'الباء تحته نقطة' عمل "يحترم عقل المشاهد"، موضحة أن الكوميديا هنا ليست هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة للاقتراب من الناس وقصصهم، مضيفة أن التنوع في الشخصيات "يعكس صورة حقيقية لمجتمعاتنا العربية، حيث تتجاور الحكايات رغم اختلاف اللهجات".
أما الحضور الإماراتي، فيتمثل بعدد من النجوم، من بينهم جابر نغموش، وفاطمة الحوسني، وعذاري السويدي، الذين يضفون على العمل نكهة محلية واضحة، دون أن يفقد طابعه العربي الشامل. ويؤدي جابر نغموش دورًا محوريًا، يجمع بين الطرافة والحكمة، فيما تجسد فاطمة الحوسني شخصية امرأة تحاول الموازنة بين مسؤولياتها الأسرية ورغبتها في التعلم، بينما تقدم عذاري السويدي دورًا يعكس تحولات الشخصية من التردد إلى الثقة بالنفس.
وعن مشاركتها في العمل، قالت فاطمة الحوسني إن المسلسل "قريب من الناس، ومن قصص نسمعها يوميًا"، معتبرة أن التركيز على محو الأمية "ليس مجرد قضية تعليمية، بل قضية كرامة وإنصاف اجتماعي". وأن الجزء الجديد يتعمق أكثر في الخلفيات النفسية للشخصيات، ويمنحها مساحة أكبر للتطور.
يحمل المسلسل توقيع الكاتبة منى الظاهري، التي استطاعت أن توازن في النص بين خفة الكوميديا وعمق الفكرة. وفي تصريحات لها، أوضحت الظاهري أن "الرهان الحقيقي كان تقديم عمل إنساني دون وعظ".
وأشارت إلى أن اختيار مدرسة محو الأمية كمكان للأحداث "يختصر رحلة طويلة من الحرمان، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب الأمل"، مضيفة أن الشخصيات مستوحاة من نماذج واقعية، ما يمنح العمل صدقه وقربه من الجمهور.
أما الإخراج، فجاء بقيادة هبة الصياغ، التي نجحت في تقديم رؤية بصرية هادئة، تخدم النص وتمنح الممثلين مساحة للتعبير. واعتمدت الصياغ على إيقاع متوازن، يتيح للمواقف الكوميدية أن تتنفس، دون أن تطغى على اللحظات الإنسانية الصامتة. وفي حديثها عن العمل، أكدت أن "التحدي الأكبر كان الحفاظ على روح الكوميديا، مع احترام ثقل القضايا المطروحة"، معتبرة أن نجاح المسلسل يعود إلى "الانسجام بين النص والأداء والإخراج".
ومع الجزء الجديد، يواصل 'الباء تحته نقطة' توسيع دائرة طرحه، متناولًا قضايا إضافية مثل نظرة المجتمع للمرأة غير المتعلمة، وصعوبة الاندماج، والخوف من الفشل، إلى جانب قوة التضامن النسائي. وهو ما يجعل العمل أكثر من مجرد مسلسل كوميدي، بل تجربة درامية تسلط الضوء على تفاصيل إنسانية غالبًا ما تُهمَل.
ويثبت 'الباء تحته نقطة' أن الدراما الاجتماعية الكوميدية قادرة على أن تكون أداة وعي، دون أن تفقد قدرتها على الإمتاع. ومع هذا الجزء الجديد، يؤكد العمل أن "الباء" قد تكون نقطة البداية، لكنها بالتأكيد ليست نهاية الحكاية.