الذاكرة كواجب وجودي في 'كريستال أفريقي'

هيثم حسين ينسج ببراعة لافتة علاقة جدلية بين الذاكرة كفعل مقاومة والوعي كمرآة متشظية، محولا رحلة السارد الكردي بين القارات إلى مسعى وجودي لإعادة ترميم الهوية في مواجهة طغيان التاريخ الرسمي وعنف الواقع.

في كل رحلة يشرع فيها الإنسان، ثمة سؤال وجودي يلوح في الأفق قبل أن يصبح حاضرا في الوعي: ما الذي يجعلنا نرى، وما الذي يجعلنا نتذكر؟ وهو سؤال يتجاوز حدّ التأمل النظري، ليغدو مساءلة لشروط الإدراك نفسها، وللكيفية التي يتكوّن بها الوعي بوصفه نتاجا لتداخل التجربة الحياتية مع آليات السرد والتذكّر.

في رواية "كريستال أفريقيّ" للأستاذ هيثم حسين، لا يكون النظر مجرد فعل بصري، إنما تجربة معقدة تتجاوز حدود العين، لتلامس البصيرة التي لا ترى إلا في طبقات الذاكرة. فالذاكرة هنا لا تُستدعى كمستودع للماضي، إنما كبنية فاعلة يعاد من خلالها تنظيم التجربة، ويُعاد بها تأويل المرئي والمُعاش. هناك، حيث يتقاطع الماضي مع الحاضر، يصبح الإنسان شاهدا على نفسه، مدفوعا بالرغبة في توثيق ما لم يكتمل في حياته، أو ربما لم يكتمل في العالم من حوله. وفي هذا السياق، لا يُفهم التقاطع بوصفه تراكبا زمنيا بسيطا، إنما بوصفه توترا وجوديا يجعل الذات في حالة مساءلة دائمة لما عِيش وما يُعاش. كما قال هايدغر: "لا يعيش الإنسان في الوقت فحسب، لكنه يعيش في التاريخ الذي يحمله"، أي في تاريخ لا يُختزل إلى تسلسل وقائع، إنما يتشكّل كأفق معنى يسبق التجربة ويوجّه فهمها، ويمنح الوجود طابعه المتناهي والمشروط. وهنا تتجسد تلك الفكرة في السارد الكردي، الذي يمشي بين القارات حاملا ذاكرته المزدوجة: ذاكرة خاصة وذاكرة جماعية، تتشابك لتشكل نسيج وجوده. فتغدو هذه الازدواجية الذاكراتية توترا بنيويا في تشكّل الذات، حيث لا تعود الهوية معطى ثابتا، إنما سيرورة مفتوحة تتأرجح بين الانتماء والانفصال.

ليست الذاكرة في الرواية مجرد سجل لما مضى، إنما هي فوهة تنفجر بالأسئلة: من نحن إذا انتزعت منا ذاكرتنا؟ وهل التاريخ الذي يُكتب باسم السلطة يمكن أن يحتكر الحقائق التي نحملها بأجسادنا وأصواتنا وأسمائنا؟ يتضح ذلك جليا في التجربة الأفريقية للسارد، حيث يكون الماضي الفردي ضحية للماضي الإمبراطوري، وذاكرته مضطرة لمواجهة طغيان التاريخ، دون أن تفقد استقلالها. وهكذا تصبح الذاكرة فعل مقاومة، كما تقول نادية مراد في مقاربتها لمعاناة الضحايا: "ليس التذكر ترفا، إنما واجب وجودي".

يتخذ السارد من الكريستال رمزا مركزيا، ليس فقط لشفافيته وهشاشته، إنما لما يمثله من تعددية الطبقات والرؤى. تماما كما يكسر الكريستال الضوء فينعكس بطرق متعددة حسب شكل الكريستال وزواياه، تكشف رواية "كريستال أفريقي" تعددية الواقع الإنساني وانكساراته عبر الذاكرة والتجربة.

مثل الشخصيات التي تتقاطع بين الجنرالات الأفارقة والإنجليز والطموحات الإنسانية الصغيرة، يرمز الكريستال إلى التوتر بين الوضوح والهشاشة، بين التعقيد والقدرة على الصمود الرمزي للهوية في مواجهة العالم. إنه ليس مادة فقط، لكنه لغة بصرية للهوية: شفاف، هش، مضاعف، منعكس، مثل حياة السارد التي تتحرك بين فضاءات متعددة، من لندن إلى مدغشقر ومالي ورواندا وكردستان، متنقلا بين عالم ما كان وعالم ما سيكون. ومن هذا المنظور، لا يعود الكريستال مجرد رمز للذاكرة، إنما استعارة للبصيرة نفسها: رؤية لا تدّعي الاكتمال، لكنها تعي حدودها، وتشتغل داخل الشروخ بدل إنكارها. هنا يمكننا التفكير في الكريستال كتشبيه للوعي نفسه: هو شفاف، لكنه مرآة تتشظى بانكسارات الحياة، وكل انكسار يمثل تجربة فلسفية، سؤالا عن الذات، ومساءلة للوجود.

ليس الكريستال مجرد رمز بصري، إنما أداة لتأمل العلاقة بين الذات والآخر، بين الفردية والجماعة، بين القوة والهشاشة، ويذكرنا بأن كل رؤية، مهما بدت واضحة، مشروطة بسياقها النفسي والتاريخي والاجتماعي. أما الزوايا الأخلاقية، فهي مضيئة بالأسئلة: هل يمكن للبطل، الذي يصبح أداة في لعبة المال والسلطة، أن يحفظ شيئا من إنسانيته؟ هل الذاكرة وحدها كافية لمواجهة كل ذلك العنف، أم أن الكتابة هي الطريق الوحيد لإنقاذ الذات من الفناء الرمزي؟ تقول الرواية إن التوازن بين الذاكرة والتاريخ ليس مسألة حظ، إنما هو ممارسة فنية دقيقة، تتطلب القدرة على التفكيك والتأمل. كما لاحظ رولان بارت في تحليله للنصوص: "ليست الكتابة تسجيلا للواقع، إنما محاولة للتوفيق بين الواقع وفكرة الواقع". هنا، ينجح السارد في تسجيل ما كان، لكنه في الوقت نفسه يعيد تشكيله، مضيفا طبقة جديدة من المعنى، حيث تصبح الرواية مرآة للعالم الذي تتشابك فيه القوى الفردية والجماعية.

يمكننا أن نرى في هذا المنحى فلسفة "الخلق من الذاكرة": ليست الكتابة مجرد توثيق، إنما إعادة توليد للواقع وفق منظور الإنسان، حيث تصبح الذاكرة فعلا إبداعيا، والفعل الإبداعي نفسه مقاومة ضد الطمس، وفلسفة للحقيقة الجزئية التي نحملها معنا. هنا تتداخل الرواية مع التأملات الوجودية لسارتر وكامو، إذ أن مواجهة العبث والتاريخ الطاغي تتطلب ليس فقط البصيرة، ولكن الجرأة على إعادة تفسير الماضي وإعادة رسم الذات.

اللغة في الرواية مزدوجة، تعكس تناقض التجربة الإنسانية: لغة سردية دقيقة في توثيق الفساد والعنف، ولغة وجدانية تأملية في مواجهة الفقد والحيرة. من وصف شاحنة الدولارات في مطار مالي إلى لحظة احتراق ميديت في مشهد مأساوي، تمتزج الصور الواقعية والرمزية لتخلق شعورا مستمرا بالاضطراب الأخلاقي. يسجل السارد الأحداث وكأنها أحجية وجودية: كل قطعة معلومات، كل وصف، كل فلاش باك، هو محاولة لفهم العالم، لكنه في الوقت ذاته يذكّر القارئ بأن الحقيقة ليست كاملة، وأن الذاكرة لا يمكن سحقها تحت وطأة التاريخ الرسمي. تعمل اللغة هنا كأداة فلسفية: هي ليست فقط وسيطا للحكي، إنما تجسيد للحالة الوجودية للإنسان. يواجه السرد الدقيق الفوضى، وتعيد اللغة الوجدانية التوازن للروح، وكأن الرواية تقول إن فهم العالم لا يقتصر على الحقائق فقط، إنما يتطلب التأمل العميق الذي تتيحه اللغة في الألم والمعاناة والمعنى المتغير للوجود.

ليست التعددية في الشخصيات زخرفا، إنما أداة فلسفية: تمثل ميديت الحب المفقود والمعاناة المشتركة، ويرمز ألن إلى السخرية والتناقضات الإعلامية، في حين يجسد الجنرالات سلطة القوة المطلقة، حيث القانون مصاغ وفق مصالحهم. كل شخصية تسائل الأخلاق، وتضع القارئ أمام تساؤلات لا يمكن الإجابة عنها بسهولة: هل يُقاس الإنسان بما ينجزه أم بما يتحمّله؟ هل يمكن للذاكرة الفردية أن تنافس التاريخ الجماعي في قوة التأثير؟

ومن زاوية فلسفية، تتحول الرواية إلى تجربة وجودية: مواجهة الفقد، والانكسار، والبحث عن معنى في عالم متهالك. وكأني بالسارد الكردي -وهو يواجه تاريخا يرفض الاعتراف بوجوده- يعمل من حيث لا يدري، وفق روح ما عبّر عنه جان بول سارتر في فلسفته الوجودية، بأن الإنسان محكوم بالحرية، لكنه كذلك محكوم بالظروف والعالم الذي وُلِد فيه. هذا التوتر بين الحرية والواقع، بين الذاكرة والتاريخ، بين ما هو موجود وما كان ممكنا، يشكل قلب الرواية النابض.

إضافة إلى ذلك، يمكن القول إن الرواية تقدم نموذجا لممارسة فلسفية شاملة: ليست الحرية مجرد اختيار، إنما مسؤولية مستمرة، وليست الذاكرة مجرد حفظ، إنما محكمة لإعادة تقييم الذات والعالم. في كل فصل، يطرح النص سؤالا ميتافيزيقيا: كيف يمكن للإنسان أن يعيش مع عبء التاريخ والعنف، بينما يحاول الحفاظ على كينونته وكرامته؟ وكيف تتحول التجارب الفردية إلى فهم عالمي للعدالة والمعنى؟

وأخيرا، ليست "كريستال أفريقيّ" مجرد رواية عن رحلة أو تهريب أو فساد، إنما نصّ عن حالة الإنسان في مواجهة العنف التاريخي والذاكرة الجماعية، عن محاولة تثبيت الذات في عالم ينهار حولها، عن قدرة الرواية على أن تكون مساحة لتساؤلات وجودية لا تنتهي. الخيبات التي يواجهها السارد، والخاتمة المفتوحة، ليست فشلا، إنما تأكيد على استمرارية البحث: البحث عن معنى، عن هوية، عن أفق يتجاوز حدود الخسارة والظلم. وكما يقول بول ريكور: "الذاكرة تخلق المستقبل، وليس الماضي"، هنا تتحول الرواية إلى فسحة للتفكير، حيث يصبح التذكر فعلا فلسفيا، ومقاومة للسطو على الذات، وإعلانا بأن الرواية هي آخر الحصون التي يمكن أن تحمل العالم، أو على الأقل، تحمل انعكاساته الأكثر صدقا. ومن هذا المنطلق، لا يقف النص عند حدّ التحليل، إنما يضع القارئ نفسه أمام سؤال أخلاقي ومعرفي: أي ذاكرة نختار أن نحملها، وأي سرد نسمح له بأن يشكّل وعينا بالعالم؟ وفي أعمق طبقاتها، تتحول هذه الرواية إلى فلسفة للعالم ذاته: ليس العالم كيانا ثابتا، إنما فسيفساء من التجارب، من الصدمات، من الذكريات، من الرغبات والتطلعات.

تعلمنا "كريستال أفريقيّ" أن الفهم لا يأتي من مجرد المعرفة، إنما من الانغماس في الظلال والنور، من مواجهة الصعوبات والخيبات، ومن إدراك أن كل لحظة تعيشها الذات هي جزء من عملية تكوين معنى وجودي أعمق، حيث يصبح كل فعل كتابيا، وكل تذكر مقاومة، وكل رؤية انعكاسا للفلسفة الحية داخلنا.