رحلة العود العراقي الخالد من بغداد إلى العالم
بغداد ـ يشكّل العود العراقي أحد أهم أعمدة الموسيقى العربية، بوصفه آلة تقليدية ضاربة في عمق التاريخ، وباعتباره مدرسة فنية متكاملة ساهمت في صياغة الذائقة الموسيقية العربية، وفتحت أبوابا واسعة أمام حضور العود على المسارح العالمية.
وعلى امتداد القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، تحوّل العود العراقي من أداة طرب محلي إلى لغة موسيقية كونية، بفضل عبقرية موسيقيين أعادوا تعريف العزف والتأليف، ووسّعوا حدود الآلة تقنيًا وجماليًا.
ومع نشوء المقام العراقي بوصفه قالبا موسيقيا معقدا ومتفردا، أصبح العود الأداة الأبرز القادرة على التعبير عن ثراء المقامات وتلويناتها الدقيقة. ومع مطلع القرن العشرين، بدأت تتبلور ما يُعرف بـ"المدرسة العراقية في العزف على العود"، والتي تميّزت بالعمق التعبيري، وانضباط المقام، والقدرة على الانتقال السلس بين الأجناس الموسيقية.
هذه المدرسة حافظت على التراث، وسعت إلى تطوير تقنيات العزف، وتحرير العود من دوره التقليدي كمجرد آلة مرافقة للغناء، لتمنحه استقلاليته كآلة قادرة على التعبير الذاتي والتأليف المنفرد.
ويُعد الراحل منير بشير أحد أبرز رموز هذه النهضة، بل يمكن اعتباره المفصل التاريخي الأهم في مسار العود العراقي. كان بشير عازف بارع، ومفكر موسيقي أعاد تعريف علاقة العازف بالآلة.
وُلد في الموصل عام 1930، ونشأ في بيئة موسيقية غنية، قبل أن يتلقى علومه الموسيقية أكاديميا، ما منحه قدرة نادرة على المزج بين المعرفة النظرية والحدس الفني.
تميّز منير بشير بأسلوب تأملي عميق، حيث كان يرى في العود أداة للتعبير الفلسفي، لا مجرد وسيلة للطرب. وأكد في أكثر من تصريح له أن "الموسيقى ليست أصواتا تُعزف، بل أفكار تُحسّ"، وهو ما انعكس في حفلاته المنفردة التي اعتمدت على الارتجال الحر ضمن إطار مقامي صارم.
ساهم بشير في نقل العود إلى المسارح الأوروبية، حيث قدّم حفلات في فرنسا وألمانيا والنمسا، ولفت أنظار النقاد الغربيين إلى إمكانات الآلة الشرقية، كما لعب دورا محوريا في تأسيس معاهد موسيقية، وتخريج أجيال جديدة من العازفين الذين حملوا فكره إلى آفاق أوسع.
إذا كان منير بشير قد أسّس فلسفة العود المعاصر، فإن نصير شمة نقل هذه الفلسفة إلى خطاب إنساني عالمي. وُلد شمة في الكوت عام 1963، وتتلمذ على يد منير بشير، قبل أن يشق طريقه بأسلوب خاص جمع بين التقنية العالية والبعد الإنساني العميق.
تميّز نصير شمة بتطوير تقنيات جديدة في العزف، أبرزها العزف بيد واحدة، وتوسيع مدى العود الصوتي، إلى جانب إدخال تعديلات على شكل الآلة نفسها. وفي تصريحاته المتكررة، يؤكد شمة أن "العود ليس آلة حزن كما يُصوَّر أحيانًا، بل أداة قادرة على التعبير عن الفرح، والاحتجاج، والحلم".
أسّس شمة "بيت العود العربي" في القاهرة، ثم توسّعت التجربة إلى أبوظبي وبغداد، ما أسهم في إحياء تعليم العود بأسلوب أكاديمي حديث. كما قدّم حفلات في كبرى المسارح العالمية، من دار الأوبرا في باريس إلى قاعات نيويورك وطوكيو، ليصبح العود حاضرًا في حوار موسيقي عالمي يتجاوز الحدود الثقافية.
إلى جانب بشير وشمة، برزت أسماء عراقية أخرى كان لها دور محوري في تطوير العود، مثل سلمان شكر، الذي مثّل حلقة وصل مهمة بين المدرسة التقليدية والتجريب المعاصر، وروحي الخماش، وجميل بشير، الذين ساهموا في تثبيت قواعد العزف الأكاديمي، وكتابة مؤلفات تعليمية ما زالت تُدرّس حتى اليوم.
كما ظهرت أجيال لاحقة حملت الراية، ووسّعت دائرة التأثير، سواء من خلال التجريب الموسيقي أو التعاون مع فرق عالمية، ما جعل العود العراقي حاضرًا في أنماط موسيقية جديدة، مثل الجاز والموسيقى الكلاسيكية المعاصرة.
لم يقتصر تأثير العود العراقي على العراق وحده، بل امتد إلى العالم العربي، حيث تأثر به عازفون في مصر وبلاد الشام والخليج والمغرب العربي. وأصبح الأسلوب العراقي في العزف مرجعًا مهمًا في المعاهد الموسيقية العربية، لما يتميز به من صرامة تقنية وثراء تعبيري.
عالميا، لعبت التسجيلات والحفلات والمهرجانات الدولية دورا أساسيا في تعريف الجمهور غير العربي بالعود، ليس بوصفه آلة "فولكلورية"، بل كأداة قادرة على الحوار مع الثقافات الأخرى. وهو ما أكده نصير شمة في أحد تصريحاته حين قال "عندما نعزف بصدق، يفهمنا العالم، حتى لو لم يفهم لغتنا".
ولم يقف العود العراقي عند مفترق طرق بين الحفاظ على التراث والمضي في التجديد، فالتحدي الأكبر أمام الجيل الجديد يتمثل في القدرة على الابتكار دون التفريط بالجذور، وعلى مخاطبة العالم دون فقدان الهوية. ويجمع كبار العازفين على أن سر قوة العود العراقي يكمن في توازنه بين الانضباط المقامي والحرية التعبيرية.
إن تطوّر العود العراقي لم يكن مسارا تقنيا فحسب، بل رحلة ثقافية وإنسانية عميقة، قادها عباقرة آمنوا بأن الموسيقى لغة كونية.
ومن بغداد إلى عواصم العالم، ظل العود العراقي شاهدًا على قدرة الفن العربي على التجدد والحضور العالمي، عندما يجد من يحمله بصدق، ويمنحه روحه قبل أن يمنحه صوته.