من المواجهة إلى الاحتواء.. تجارب ناجحة في دحر الإرهاب

دولة الإمارات لعبت دوراً محورياً وحاسما في دعم جهود مكافحة الإرهاب في جنوب اليمن في إطار مشاركتها ضمن التحالف العربي.

في عالمٍ يعجّ بالتخبط والتشظي والانقسامات السياسية، أصبح الإرهاب قضية عالمية ذات أبعاد ممسوخة الملامح، إذ انتشر في كل بقاع المعمورة تقريباً منذ أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، وعلى مدى العقدين الماضيين، شهدت المناطق الأكثر تضرراً من الإرهاب تغيرات كثيرة، بين ديمغرافية وجغرافية.

ووفقاً للتحليلات والإحصائيات، فقد تركزت الهجمات الأعنف على الشرق الأوسط بمعدل 33.8 في المئة، ومع الوصول إلى عام 2019، تم تصنيف منطقة الشرق الأوسط كأقل المناطق سلماً في العالم، وذلك اعتماداً على مؤشر السلام العالمي.

فعلى سبيل المثال، وعقب انهيار مؤسسات الدولة وانتشار الفراغ الأمني عام 2003، شهد العراق نشاطاً إرهابياً تبنته الجماعات المتطرفة مثل تنظيم القاعدة، ومن ثم تنظيم داعش، مستغلة حالة الانقسام الطائفي والسياسي لبسط نفوذها والسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي العراقية، خاصة بين عامي 2014 و2017.

وبطبيعة الحال، وانطلاقاً من الدفاع عن أمن البلاد، لم تدخر القوات الأمنية العراقية جهداً في التصدي لهذه الهجمات، واعتمدت التجربة العراقية في مكافحة الإرهاب على عدة محاور رئيسية؛ أولها إعادة بناء القوات الأمنية من الجيش والشرطة والأجهزة الاستخباراتية، والتي تعد الخطوة الأكثر ضرورة لضمان توفير منظومة أمنية متكاملة للحماية الشاملة، بعد سنوات من التفكك والضعف. ثانيها التعبئة المجتمعية، حيث لعبت العشائر دوراً مهماً في مواجهة التنظيمات الإرهابية، إضافة إلى التطوع الذاتي الذي تمثل في تلبية نداء الجهاد الكفائي.

أما المحور الثالث فتمثّل في التعاون الأممي، إذ ساهم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في تقديم الدعم الجوي والاستخباراتي والتدريب.

ورغم الانتصار العسكري اللافت للنظر، والذي تحقق بإعلان هزيمة تنظيم داعش جغرافياً عام 2017، إلا أن التجربة العراقية كشفت أن الحسم العسكري وحده لا يمكن أن يمثل إعلاناً نهائياً لهذا الإرهاب، إذ استمرت التحديات الاقتصادية من جهة، والانقسامات السياسية من جهة أخرى، إضافة إلى ضعف التنمية في بعض المناطق، ما جعل خطر عودة الإرهاب قائماً محتملاً، وإن كان بأشكال مغايرة.

وعلى غرار العراق، عانى جنوب اليمن من انتشار الجماعات الإرهابية، والتي يشكل تنظيم القاعدة اللاعب الأول فيها، مستغلاً حالة الفوضى التي رافقت الحرب اليمنية منذ عام 2015، فقد أحكم التنظيم سيطرته على مدن ومناطق مهمة، خاصة في محافظات (حضرموت وشبوة وأبين)، مهدداً الأمن المحلي والإقليمي.

ما كان مميزاً في تجربة جنوب اليمن في مجال مكافحة الإرهاب، هو الاعتماد الكبير على القوات المحلية، مثل قوات النخبة الحضرمية والنخبة الشبوانية وقوات الحزام الأمني، وقد أظهرت هذه القوات فاعلية عالية في مواجهة التنظيمات الإرهابية، نظراً لمعرفتها بطبيعة الأرض والمجتمع المحلي، وهو ما ساعد على تقليص الحاضنة الشعبية للإرهاب.

كما اتسمت التجربة الجنوبية بالتركيز على تأمين المدن والموانئ والمنشآت الحيوية، لمنع الجماعات الإرهابية من إعادة تنظيم صفوفها أو استخدام هذه المناطق كنقاط انطلاق لعملياتها، أو الإجهاز على فاعليتها وتهديم البنى التحتية فيها.

والمهم أيضاً في هذه القضية هو دور دولة الإمارات العربية المتحدة في مكافحة الإرهاب في جنوب اليمن، إذ لعبت دولة الإمارات دوراً محورياً في دعم جهود مكافحة الإرهاب في جنوب اليمن، وذلك في إطار مشاركتها ضمن التحالف العربي.

وقد تمثّل هذا الدور في عدة أبعاد متكاملة عسكرياً وسياسياً ولوجستياً؛ فعلى الصعيد العسكري والأمني، ساهمت الإمارات في تدريب وتأهيل وتسليح القوات المحلية الجنوبية، مع التركيز على بناء وحدات متخصصة في مكافحة الإرهاب، كما قدّمت دعماً استخباراتياً أسهم في تنفيذ عمليات نوعية ضد تنظيم القاعدة، أبرزها تحرير مدينة المكلا عام 2016، التي كانت تُعد أحد أهم معاقل التنظيم.

أما على صعيد المؤسسات، فقد دعمت الإمارات تعزيز قدرات الأمن المحلي وبناء هياكل أمنية قادرة على إدارة المناطق المحررة ومنع عودة الجماعات المتطرفة بشكل أو بآخر، وقد ساعد هذا على تحقيق قدر من الاستقرار النسبي في محافظات جنوبية مقارنة بمناطق أخرى في اليمن.

ورغم بعض الانتقادات التي وُجهت للإمارات بسبب دعمها لقوى جنوبية معينة، فإن دورها في الحد من خطر الإرهاب يُعد أحد أبرز أوجه تدخلها، خاصة من حيث تقليص نفوذ القاعدة وتجفيف مصادر تمويلها وتحركاتها، ما كان شاهداً حقيقياً على جاهزية قواتها وخبراتها في هذا المجال.

وفي محصلة نهائية للمقاربات بين تجربة العراق وتجربة جنوب اليمن في سجل مكافحة الإرهاب ودحر هجماته الشرسة العشوائية، يتبين لنا أن النجاح لا يعتمد على القوة العسكرية حسب، بل على مزيج من بناء المؤسسات الأمنية، والتفاهمات السياسية، والشراكات الإقليمية، وتنمية روح المواطنة بشكل فاعل وحقيقي بعيداً عن الشعارات الواهنة، كذلك إشراك المجتمع المحلي والدعم الدولي.

فحين واجه العراق الإرهاب ضمن دولة مركزية تحولت من عالم الدكتاتورية إلى عالم الحرية والديمقراطية، تسعى بكل حرص وجدية لاستعادة سيادتها، خاض جنوب اليمن معركته في ظل دولة منقسمة وصراع مفتوح، وتشعبات محلية تأنّ تحت أجواء مشحونة متوترة.

وهنا، في هذا الصدد، يمكننا اعتماد دور دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج لتدخل إقليمي منضبط، ركّز على مفهوم التمكين الأمني المحلي في جنوب اليمن، وأسهم بشكل واضح في تقليص خطر التنظيمات الإرهابية وإجهاض مخططاتها الرامية لهيمنة همجية لا مفر من تفاديها، مع بقاء الحاجة إلى حلول سياسية وتنموية شاملة لضمان عدم عودة الإرهاب مستقبلاً، كونه يمثل تهديداً مقلقاً للعالم العربي بشكل خاص.