بوادر جنوح واشنطن للحوار مع طهران تقلق الإسرائيليين

محللون إسرائيليون يقولون إن تل أبيب لا تزال تفضل الخيار العسكري وتشترط أن يشمل أي اتفاق مع طهران برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية.

القدس - بوادر قلق بدأت تتصاعد في إسرائيل بعد علامات تشير إلى جنوح الولايات المتحدة إلى الحل السياسي وعدولها عن الخيار العسكري في التعاطي مع إيران.
ويقول محللون إسرائيليون إن تل أبيب تفضل الخيار العسكري، وخلاف ذلك فإن أي اتفاق أميركي إيراني يجب أن يشمل ليس فقط برنامج طهران النووي، بل أيضا قدراتها الصاروخية.
وتعتبر الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل إيران ألد أعدائهما بالمنطقة، وتتهمانها بالسعي إلى إنتاج أسلحة نووية، بينما تقول الأخيرة إن برنامجها مصمم لأغراض سلمية، وبينها توليد الكهرباء.
كما تدعي تل أبيب، الوحيدة بالمنطقة التي تملك ترسانة أسلحة نووية، أن إعادة إيران بناء برنامجها للصواريخ البالستية طويلة المدى، الذي تضرر من الحرب الأخيرة، يشكل تهديدا لإسرائيل.
غير أن المؤشرات الصادرة في واشنطن تفيد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يركز على البرنامج النووي الإيراني ووقف ما تعتبره الولايات المتحدة قمعا للمحتجين في إيران.
ولربما هذا ما يفسر سفر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، بعد رئيس شعبة استخبارات الجيش "أمان" شلومي بيندر إلى واشنطن الأسبوع الماضي.
وقال المحلل بصحيفة "يديعوت أحرونوت" إيتمار آيخنر الاثنين إن "جزءا كبيرا من الحوار (بين زامير وبيندر ومسؤولين أميركيين) ركز على الاستعدادات للهجوم والدفاع على حد سواء".
وتابع: "ففي إسرائيل، يستعد المخططون لاحتمال شن الولايات المتحدة ضربة عسكرية أحادية الجانب على إيران".
وقد "تطلب واشنطن من إسرائيل الانضمام إلى العملية، للاستفادة من الخبرة التي اكتسبتها خلال عملية الأسد الصاعد (الحرب على إيران) في يونيو/حزيران الماضي"، بحسب آيخنر.
وفي يونيو/حزيران 2025 شنت إسرائيل بدعم أميركي هجوما على إيران استمر 12 يوما، وردت عليها طهران بقصف مناطق واسعة في البلاد، قبل أن تعلن الولايات المتحدة وقفا لإطلاق النار.
وأردف آيخنر "إذا قرر ترامب تنفيذ تهديداته، فمن المتوقع أن تقدم إسرائيل المساعدة بشكل أساسي من خلال التعاون الاستخباراتي، وهذا التنسيق ضروري للجانبين".
واستطرد "يُقيّم مسؤولون إسرائيليون أنه في حال شنت الولايات المتحدة هجوما على إيران، فستنفذ طهران تهديداتها بالرد على إسرائيل".
وشدد على أن "إسرائيل عرضت على واشنطن استعداداتها الدفاعية، بما في ذلك أنظمة اعتراض الصواريخ، كما تلقت تحديثات حول كيفية مساعدة الولايات المتحدة في الدفاع عن إسرائيل".
وأضاف أن إسرائيل "حذرت من أن امتناع واشنطن عن العمل (الهجوم) قد يُنظر إليه في المنطقة على أنه ضعف، لا سيما في ظل تهديدات إيران، وتشجيع ترامب السابق للمتظاهرين الإيرانيين".
وأواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 اندلعت احتجاجات شعبية في إيران على خلفية تفاقم الأزمة الاقتصادية، واستمرت نحو أسبوعين وسقط خلالها أكثر من ثلاثة آلاف قتيل بينهم عناصر أمن، بحسب معطيات رسمية.
وأقرت طهران بوجود استياء شعبي، لكنها قالت في الوقت نفسه إن واشنطن وتل أبيب تؤججان الاحتجاجات وتختلقان ذرائع، سعيا لإسقاط النظام الحاكم.
وتقبع إيران تحت وطأة عقوبات أميركية ودولية قاسية، ساهمت في تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد.
وقال آينخر إن "التقييمات الإسرائيلية تفيد بأنه بينما تستعد الولايات المتحدة بجدية لشن ضربة، لا يزال ترامب مصمما على استنفاد جميع القنوات الدبلوماسية".
وأضاف "وبينما يُعتقد أن ترامب عازم على التحرك إذا رفضت إيران شروطه، فقد صرح علنا بأنه يريد فقط اتفاقا يمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية ويوقف قتل المتظاهرين".
واستدرك "لكن في الخفاء، تطالب الولايات المتحدة بالمزيد: وقف كامل لتخصيب اليورانيوم، وفرض قيود بشأن برنامج إيران للصواريخ الباليستية، وإنهاء دعمها للحلفاء الإقليميين".
وزاد بأن "إيران رفضت رفضا قاطعا الحظر التام لتخصيب اليورانيوم، وترفض مناقشة أي قيود على الصواريخ. ويعتقد مسؤولون إسرائيليون أنها قد تقدم تنازلات تكتيكية بشأن الملف النووي، لكن لن تتنازل".

تنسيق بين ادارة ترامب وحكومة نتنياهو في ملف ايران
تنسيق بين ادارة ترامب وحكومة نتنياهو في ملف ايران

و"يتمثل أكبر مخاوف إسرائيل في أن يركز ترامب في نهاية المطاف على الملف النووي فقط، تاركا تهديد إيران بالصواريخ البالستية قائما، وهو سيناريو تعتبره إسرائيل أسوأ نتيجة ممكنة"، بحسب آيخنر.
وتابع "في الوقت الراهن، تواصل واشنطن حشد قواتها، وتواصل إسرائيل استعداداتها الدفاعية، وتنتظر المنطقة لمعرفة ما إذا كان هذا المأزق سينتهي باتفاق أم بحرب".
وخلال نحو عامين، عصف عدوان إسرائيل بمنطقة الشرق الأوسط، عبر شنها حروبا دموية على أكثر من دولة، فضلا عن ارتكابها اعتداءات عسكرية يومية مستمرة.
فإلى جانب حرب إبادة بدأت بقطاع غزة في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شنت تل أبيب حربين على لبنان وإيران، بالإضافة إلى غارات جوية وتوغلات برية في الجارتين سوريا ولبنان، وغارات على اليمن وغارة على قطر.
ومنذ عقود تحتل إسرائيل فلسطين وأراضي في سوريا ولبنان، وترفض الانسحاب منها وقيام دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، على حدود ما قبل حرب
بدوره قال المحلل العسكري بموقع "واللا" الإخباري أمير بوحبوط "يقول كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين إن الرئيس ترامب لم يحسم قراره بعد بشأن شنّ هجوم على إيران أو خوض مفاوضات مباشرة مع النظام الإيراني".
وأضاف "وعليه، يستعد الجيش الأميركي لجميع الخيارات، وبينها شنّ هجوم واسع النطاق على المواقع العسكرية، مع تعزيز القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك بأنظمة دفاع جوي ورادارات وطائرات في الأيام الأخيرة".
وتابع "تشير مصادر في الجيش الإسرائيلي إلى أن ثقة النظام الإيراني العالية بنفسه لا تسمح حاليا بانتقال سريع إلى طاولة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة".
"ولذا تتزايد التقديرات في إسرائيل بأن الأميركيين قد يلجؤون إلى عملية عسكرية تمهيدية للدخول في المفاوضات بوضع مناسب"، بحسب بوحبوط.
وأردف "وترى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن دخول واشنطن في مفاوضات رسمية مع طهران في هذا التوقيت سيُلحق الضرر بإسرائيل، فالإيرانيون غير مستعدين حاليا للتفاوض بشأن البرنامج النووي والصواريخ البالستية وفقا للشروط الأميركية".
واستطرد "ومثل هذه المفاوضات، وفقًا لتقديرات مصادر بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ستظهر إيران بمظهر الرابح، إذ سيكسب الدبلوماسيون الإيرانيون وقتا ثمينا وتواصل طهران إنتاج الصواريخ البالستية وتسليح نفسها من روسيا والصين".
وبدأ مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق يعقوف ناغيل قراءة المشهد، في مقال بصحيفة "معاريف" الاثنين قائلا "ان العالم مشغول حاليا بسؤال واحد فقط: هل سيهاجم الرئيس ترامب إيران أم سيتفاوض، وإذا فعل، ما طبيعة الهجوم وماذا سيكون دور إسرائيل".
وأضاف أن "تغريدات البيت الأبيض، والتسريبات على وسائل التواصل ومصادر داخلية، تثير مخاوف من أن الرئيس (ترامب) يستبدل الخطاب عن مفاوضات محتملة بالخطاب الشديد (عن الحرب)".
واعتبر أن التفاوض "سيكون خطأ قاتلا، فالتوصل إلى اتفاق مع النظام الإيراني سيكون فشلا جيوسياسيا".
وفضلا عن الوقف الكامل للبرنامج النووي، اعتبر ناغال أنه "يجب على واشنطن أن تتخذ إجراءات للقضاء على برنامجها (إيران) للصواريخ الباليستية بعيدة المدى".
وتابع: "الآن بعد أن تضررت قدرات إيران بشكل جسيم (خلال العدوان الأخير)، رغم إعادة البناء الجزئي (لبرنامج الصواريخ)، يجب أن يكون الحد الأدنى لدخول المحادثات أعلى بكثير".
وأوضح أنه "يجب أن تبدأ المفاوضات فقط بعد أن تلبي إيران المطالب الملموسة والقابلة للتحقق".
وأردف "وموقف إسرائيل كان دائما: صفر تخصيب يورانيوم، صفر مفاعلات مياه ثقيلة يمكنها إنتاج البلوتونيوم، وعدم وجود مواد انشطارية على الأراضي الإيرانية".
و"لن يقبل النظام الإيراني هذه الشروط إلا إذا اقتنع بأن الخيار العسكري، الذي كانت واشنطن تجهزه في الأسابيع الأخيرة بالتعاون مع إسرائيل، حقيقيا وفوريا وحتى مفعل قبل إجراء المفاوضات"، كما ختم ناغيل.
والأحد، أعرب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن برنامج بلاده النووي.
وأضاف أن طهران مستعدة لتقديم ضمانات على أن برنامجها النووي سلمي بالكامل، وهي تنتظر رفع العقوبات أمام تطور كهذا.