'تسونامي' السرطان قادم لكن خطوات بسيطة يمكنها فرملة زحفه

الصحة العالمية تتوقع زيادة بأكثر من 70 بالمئة في إصابات الأورام الخبيثة لتصل إلى 35 مليون حالة بحلول 2050 نتيجة الشيخوخة والتلوث، مع التأكيد على ان 40 بالمئة من الحالات يمكن تفاديها.

جنيف  – حذّرت منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) من موجة غير مسبوقة في معدلات الإصابة بالسرطان عالميًا، متوقعة أن يرتفع عدد الحالات الجديدة إلى نحو 35 مليون حالة سنويًا بحلول عام 2050، أي بزيادة تقارب 77 في المئة مقارنة بالمستويات المسجلة في عام 2022، وفق أحدث التقديرات الرسمية.

وجاء هذا التحذير في تقرير فني موسّع صدر تزامنًا مع اليوم العالمي للسرطان، استند إلى بيانات وبائية محدثة وتحليل اتجاهات ديموغرافية وبيئية طويلة الأمد، مشيرًا إلى أن العالم يقترب من نقطة ضغط حرجة قد تتجاوز فيها أنظمة الصحة العامة قدرتها على الاستجابة، خصوصًا في الدول ذات الموارد المحدودة.

الوقاية أولًا: 40 في المئة من السرطانات يمكن تجنبها

التقرير شدد على حقيقة علمية راسخة مفادها أن نحو 40 في المئة من حالات السرطان عالميًا قابلة للوقاية، أي ما يعادل أربع حالات من كل عشر، إذا ما عولجت عوامل الخطر المعروفة بفعالية. واعتبرت المنظمة أن هذه النسبة تمثل “فرصة ضائعة” في كثير من البلدان، حيث لا تزال سياسات الوقاية متأخرة مقارنة بالتقدم في العلاجات.

وحددت منظمة الصحة العالمية أربعة محاور رئيسية تقف خلف العبء المتزايد للمرض:

  • أولًا، التبغ، الذي لا يزال السبب المنفرد الأكبر للإصابة بالسرطان والوفيات المرتبطة به، رغم عقود من حملات المكافحة.
  • ثانيًا، الكحول والسمنة وقلة النشاط البدني، وهي عوامل مرتبطة بأنماط الحياة الحديثة وتغذية الأطعمة المصنعة، وترتبط مباشرة بارتفاع سرطانات الثدي والقولون والكبد.
  • ثالثًا، العدوى الفيروسية المزمنة، وعلى رأسها فيروس الورم الحليمي البشري والتهاب الكبد ب وج، والتي تمثل قرابة 15 في المئة من السرطانات المشخصة عالميًا، لا سيما في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
  • رابعًا، تلوث الهواء، الذي بات عامل خطر بيئيًا مثبتًا، يسهم في زيادة سرطان الرئة حتى بين غير المدخنين، مع تصاعد مستويات التلوث في المدن الصناعية الكبرى.

فجوة عالمية آخذة في الاتساع

وكشفت بيانات الوكالة الدولية لأبحاث السرطان عن تفاوت صارخ في عبء المرض بين الدول، حيث من المتوقع أن تسجل البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط زيادة نسبية في الإصابات قد تصل إلى 142 في المئة بحلول عام 2050، مقارنة بالدول ذات الدخل المرتفع.

وقالت الدكتورة إيزابيل سويرجومارترام، رئيسة فرع مراقبة السرطان في الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، إن “تأثير هذه الزيادة لن يكون متساويًا، فالدول التي تملك أقل الموارد للوقاية والتشخيص والعلاج هي التي ستتحمل العبء الأكبر من الإصابات والوفيات”.

الشيخوخة والبيئة: محركات صامتة للأزمة

وعزت المنظمة هذه القفزة التاريخية إلى عاملين رئيسيين متداخلين: شيخوخة السكان عالميًا، إذ يزداد خطر الإصابة بالسرطان مع التقدم في العمر، إلى جانب التغيرات البيئية وأنماط العيش المصاحبة للنمو الاقتصادي السريع، مثل التلوث، والتحضر، والتحول الغذائي نحو الأغذية عالية المعالجة.

وأشار التقرير إلى أن استمرار ضعف الاستثمار في برامج الكشف المبكر والتطعيم سيؤدي إلى ضغط غير قابل للاستدامة على الأنظمة الصحية، محذرًا من أن التركيز الحصري على العلاجات المتقدمة دون الوقاية سيضاعف الكلفة البشرية والاقتصادية للمرض.

حاسمة وغير قابلة للتأجيل

وفي ختام التقرير، دعت منظمة الصحة العالمية الحكومات إلى اتخاذ إجراءات وُصفت بأنها "حاسمة وغير قابلة للتأجيل"، تشمل تشديد الضرائب والسياسات التنظيمية على التبغ والكحول، وتوسيع برامج التطعيم ضد الفيروسات المسببة للسرطان، وتعزيز الكشف المبكر ضمن الرعاية الصحية الأولية، إضافة إلى اعتماد سياسات بيئية أكثر صرامة للحد من تلوث الهواء.

وأكدت المنظمة أن مواجهة السرطان في العقود المقبلة “لا تتعلق فقط بإتاحة أحدث الأدوية”، بل بقدرة الدول على التحكم في العوامل البيئية والسلوكية التي تدفع الملايين نحو المرض سنويًا، معتبرة أن الوقاية تمثل “الاستثمار الصحي الأكثر عدالة وكفاءة على المدى الطويل”.