'بابا وماما جيران'.. كوميديا الجيرة التي تشبه حياتنا

من خلال مواقف طريفة وشخصيات مألوفة، ينجح المسلسل في تسليط الضوء على تناقضات الأسرة العربية وصراعاتها اليومية.

القاهرة ـ يُعد مسلسل "بابا وماما جيران" واحدا من أبرز الأعمال الدرامية الكوميدية التي استطاعت أن تحجز لنفسها مكانة مميزة لدى الجمهور العربي، لما يحمله من طرح اجتماعي خفيف الظل، يمزج بين الكوميديا والمواقف الحياتية اليومية التي يعيشها المواطن العربي داخل الأسرة وفي محيط الجيرة.

وإلى جانب الضحك، يسعى المسلسل في الوقت نفسه إلى تقديم رسائل اجتماعية وإنسانية بأسلوب بسيط وقريب من القلب، بعيدًا عن التعقيد أو المبالغة.

وتدور أحداث المسلسل حول عائلتين تسكنان في بناية واحدة، تجمع بينهما علاقة جيرة متقلبة تتراوح بين الودّ والمشاحنات الطريفة. في إحدى الشقق يعيش "بابا" بشخصيته المحافظة التي تميل إلى التمسك بالعادات والتقاليد، بينما تقابله في الشقة المجاورة "ماما" ذات الشخصية القوية، العملية، والتي تحاول مواكبة العصر وتغيير بعض المفاهيم السائدة. ومن هذه الجيرة تنطلق شرارة الأحداث، حيث تتحول المواقف اليومية البسيطة - كخلاف على موقف سيارة، أو ضجيج الأطفال، أو حتى تنظيم مناسبة عائلية - إلى سلسلة من المفارقات الكوميدية التي تكشف اختلاف وجهات النظر بين الجيل القديم والجيل الجديد، وبين الرجل والمرأة، وبين مفهوم الخصوصية والتدخل الاجتماعي الذي يميز حياة الجيران في المجتمعات العربية.

وعلى امتداد حلقات المسلسل، لا تبقى الشخصيات جامدة أو محصورة في قالب واحد، بل نشهد تطورًا تدريجيًا في طريقة تفكيرها وتعاملها مع الآخرين. "بابا"، الذي يبدأ العمل بشخصية صارمة وحادة في بعض الأحيان، يمر بمواقف تجبره على إعادة النظر في قناعاته، خصوصًا حين يكتشف أن التشدد الزائد قد يؤدي إلى خسارة علاقات إنسانية مهمة. في المقابل، تظهر "ماما" بشخصية واثقة من نفسها، لكنها ليست خالية من العيوب؛ فهي تتعلم مع مرور الأحداث أن الاستقلالية لا تعني دائمًا الصدام، وأن التفاهم والحوار قد يكونان أكثر فاعلية من فرض الرأي.

وتلعب الشخصيات الثانوية من الأبناء، والجيران الآخرين، وحتى الأصدقاء، دورا محوريا في إثراء الخط الدرامي، إذ تمثل شرائح مختلفة من المجتمع، لكل منها همومه وطموحاته ومشكلاته الخاصة.

ويعتمد المسلسل على كوميديا الموقف والحوار الذكي، دون اللجوء إلى الابتذال أو المبالغة، فالضحك هنا نابع من واقع مألوف؛ مشاهد يشعر معها المشاهد أن ما يراه على الشاشة يشبه ما يحدث في بيته أو في بنايته. وقد نجح صُنّاع العمل في توظيف الكوميديا كوسيلة لنقد بعض السلوكيات الاجتماعية، مثل التدخل في شؤون الآخرين، أو التمسك الأعمى بالتقاليد، أو الصراع الدائم بين الأزواج على تفاصيل الحياة اليومية.

وعبّر عدد من أبطال المسلسل عن سعادتهم بالمشاركة في عمل يلامس هموم الأسرة العربية بشكل مباشر.

وقال أحمد داود، الذي يقوم بشخصية "هشام"، وهو رب أسرة، "ما شدّني إلى الدور هو قربه من الواقع، فالكثير من الآباء يعيشون صراعًا بين المحافظة على التقاليد وبين التعامل مع متغيرات العصر. حاولت أن أقدّم الشخصية بصدق، بحيث يراها المشاهد كأب حقيقي، وليس مجرد شخصية مكتوبة على الورق".

وأفادت ميرنا جميل، التي تؤدي شخصية "نورا" المتزوجة من الصيدلي هشام  "أحببت شخصية ماما لأنها تمثل المرأة العربية القوية التي تسعى للتوازن بين استقلاليتها وحبها لعائلتها. في كثير من المشاهد كنت أستحضر مواقف من حياتي الشخصية، وهذا جعل الأداء أكثر عفوية".

وأضاف أحد الممثلين الشباب الذين شاركوا في العمل "المسلسل يعكس مشاكل الجيل الجديد مع الجيل القديم، وهذا ما جعلني أشعر أن دوري ليس مجرد شخصية ثانوية، بل صوت لشريحة واسعة من الشباب الذين يبحثون عن مساحة للتعبير عن أنفسهم".

وأكد الطاقم الفني أن الهدف الأساسي من المسلسل لم يكن فقط تقديم عمل كوميدي للترفيه، بل خلق مساحة للتفكير والنقاش داخل الأسرة.

وقد شدد المخرج محمود كريم في أكثر من مناسبة على أهمية الإيقاع السلس للحلقات، وتوازن الكوميديا مع الرسالة، بحيث لا تطغى إحداهما على الأخرى.

وقال المخرج "كنت حريصا على أن تكون كل حلقة بمثابة مرآة صغيرة تعكس جانبًا من حياتنا اليومية، مع جرعة ضحك تجعل الرسالة تصل بسهولة".

العمل من تأليف ولاء شريف التي أشارت إلى أن النص مر بعدة مراحل من التطوير، مع الحرص على أن تكون الحوارات طبيعية وغير مفتعلة، وأن تعكس اللهجة اليومية للشارع العربي، ما يمنح العمل مصداقية وقربًا أكبر من المشاهد. وأوضحت قائلة "أردنا أن تكون الشخصيات واقعية، بأخطائها وتناقضاتها، لأن المثالية لا تجذب المشاهد بقدر ما يجذبه الصدق".

ولاقى "بابا وماما جيران" ردود فعل إيجابية من الجمهور، خاصة العائلات، حيث اعتبره كثيرون عملًا مناسبًا للمشاهدة الجماعية. كما أثنى بعض النقاد على قدرة المسلسل على الجمع بين الضحك والطرح الاجتماعي الهادئ، دون الوقوع في فخ الوعظ المباشر. وأشار أحد النقاد في حديثه، "المسلسل نجح لأنه لم يحاول أن يكون أكبر من حجمه، بل اكتفى بأن يكون صادقًا وبسيطًا، وهذا سر قوته".

يُحسب للمسلسل أنه لم يكتفِ بالترفيه، بل فتح باب النقاش حول قضايا اجتماعية مهمة، مثل العلاقة بين الأجيال، دور المرأة في الأسرة، وحدود التدخل بين الجيران. هذه القضايا، وإن عُرضت بأسلوب كوميدي، إلا أنها تطرح أسئلة عميقة حول طبيعة المجتمع العربي وتحدياته اليومية. وقد ساهم ذلك في جعل العمل أكثر قربًا من الجمهور، الذي وجد فيه انعكاسًا لواقعه، وفي الوقت نفسه مساحة للضحك والتسلية.