إضاءة على خصوصيّة الطفولة الرقمية
الجزائر - يرصد كتاب "البيئة الرقمية والمشكلات النفسية لدى الطفل" الصادر عن دار ألفا للنشر والتوزيع مختلف الجوانب المرتبطة بخصوصيّة الطفولة الرقمية، وما تطرحه من مشكلات نفسية ومخاطر متنامية في ظلّ الاستخدام المتزايد لوسائط البيئة الرقمية.
ويأتي الكتاب في 294 صفحة ويتضمن مجموعة من الأبحاث والدراسات العلمية، بإشراف وتنسيق حدادي وليدة، ويسعى إلى اقتراح جملة من الحلول والتوصيات العملية للتعامل الرشيد مع الفضاء السيبراني، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن الطفولة تمثّل الدعامة الأساسية لأيّ تقدّم أو رقيّ مجتمعي، وهو ما يفرض ضرورة الاهتمام بالنمو السليم لشخصية الطفل نفسيًّا واجتماعيًّا ومعرفيًّا.
وينطلق الكتاب من مسلّمة مفادها أنّ التحوّلات التكنولوجية، رغم ما أتاحته من فرص ومكاسب نوعية لتحسين جودة الحياة في مجالات متعدّدة، قد أفرزت جيلًا رقميًّا باتت الوسائط التكنولوجية جزءًا لا يتجزأ من حياته اليومية. غير أنّ خطورة هذه التحوّلات تتجلّى بشكل أوضح عند تعلّقها بفئة اجتماعية هشّة كالأطفال، لما لهم من احتياجات نفسية واجتماعية تتشكّل أساسًا داخل المحيط الأسري، ما يجعل سوء استخدام التكنولوجيا مصدرًا محتملًا لاضطرابات نفسية وسلوكية متعدّدة.
ويتناول الكتاب الانعكاسات النفسية العامة للوسائط الرقميّة على الطفل، إذ ناقشت الدكتورة خولة زيدان والأستاذ حسان بطسي، مفهوم الطفولة الرقميّة والفضاء السيبراني، من خلال قراءة تحليليّة في المكاسب الظاهرة والتهديدات الخفيّة، مبرزَين كيف يسهم التفاعل المكثّف مع الوسائط الرقميّة في بناء هوية افتراضية للطفل، وما قد يرافق ذلك من مخاطر الإدمان، وتهديد القيم الأسرية، والانزلاق نحو مضامين غير أخلاقية، تؤثّر سلبًا على البناء النفسي السليم للطفل.
وتطرّق الدكتور مفتاح بن هدية والدكتور إبراهيم يحياوي، إلى مخاطر استخدام الوسائط الرقميّة على التنشئة الاجتماعية للطفل، من خلال تحليل البيئة الاجتماعية الجديدة التي أفرزتها المجتمعات الافتراضية، وما تمثّله من فضاء جاذب للطفل، مقابل ما تحمله من تهديدات في حال غياب الضوابط، كالإدمان، والتسرّب المدرسي، والعنف اللفظي، وبعض الاضطرابات النفسية، مؤكدَين على الدور المحوري لمؤسسات التنشئة الاجتماعية في الحدّ من هذه المخاطر.
ومن زاوية أخرى، تناولت الدكتورة فطيمة أعراب والدكتور جمال شريف، المشكلات النفسية لدى الطفل الجزائري في البيئة الرقميّة من وجهة نظر الأخصائيّين النفسيّين، مبرزَين تباين الآراء بين من يرى في الاستخدام المعتدل للتكنولوجيا فرصًا علاجية داعمة للصّحة النفسية، ومن يعد الاعتماد المفرط عليها مؤشرًا لاضطرابات نفسية كامنة ومصدرًا لمخاطر أشدّ.
وسلّطت الدكتورة سميرة كتفي، الضوء على دور الهواتف الذكية في بناء شخصية الطفل الرقمي، مبيّنة كيف أوجدت التطبيقات الذكية فضاءً بديلًا بعيدًا عن الرقابة الأسرية والتربوية، يدفع الطفل إلى تبنّي أدوار وسلوكيات تفوق مرحلته العمرية وإمكاناته الإدراكية.
وناقشت الدكتورة سوسن سكي، الفرص التي تتيحها تكنولوجيا المعلومات لهذه الفئة ومخاطرها، فيما تناولت، الدكتورة شفيقة مهري، انعكاسات استخدام الوسائط الرقمية على أطفال التوحّد وفرص توظيفها علاجيًا من منظور الأولياء، مع تأكيدهما أنّ البيئة الرقمية ليست سببًا مباشرًا للتوحّد، وإنّما عاملًا بيئيًّا قد يسرّع ظهور أعراضه، مع وجود إمكانات إيجابية لتوظيفها بشكل مدروس.
ويأتي هذا الكتاب كمساهمة علميّة جماعيّة تهدف إلى إثراء المكتبة العربية، وتقديم رؤية متوازنة تجمع بين التحليل العلمي والنقدي لمخاطر البيئة الرقميّة، واستكشاف فرصها الإيجابية، بما يخدم مصلحة الطفل ويحمي صحّته النفسية والاجتماعية.