نجود جداد: الرؤية الاخراجية الأخيرة للفيلم تصنع في غرفة المونتاج

الدكتورة ومدربة أجيال من تقنيي السمعي البصري بالتكوين المهني المغربي تكشف لميدل إيست أونلاين كيف يصنع المونتاج المعنى، ويحوّل الصورة إلى تجربة شعورية في السينما.

تُعدّ الدكتورة نجود جداد من الأسماء التي راكمت تجربة مزدوجة في السينما المغربية، إذ جمعت بين العمل المهني في توضيب أفلام شكلت جزءًا من الذاكرة السينمائية، وبين البحث الأكاديمي والتدريس في مجال السمعي البصري.

وتنطلق جداد في مقاربتها للمونتاج من كونه مرحلة إبداعية حاسمة، لا تقتصر على ترتيب اللقطات، وإنما تمتد إلى بناء الإيقاع، وتشكيل المشاعر، وربط الصورة بالبعد النفسي والاجتماعي للشخصيات.

وتتحدث في هذا الحوار مع موقع "ميدل إيست أونلاين" عن رؤيتها للمونتاج، وتجاربها في أفلام بارزة، وانتقالها من الممارسة إلى البحث الأكاديمي.

وفيما يلي نص الحوار:

أغلب من يشتغل اليوم في ميدان السينما والتلفزيون، أو داخل القنوات العمومية المغربية، تتلمذ على يديك على امتداد عقدين من الزمن، كيف تنظرين إلى هذا الأمر؟

أعتبر ذلك نتيجة طبيعية لمساري المهني أكثر منه إنجازًا شخصيًا، بحكم عملي الرسمي في مكتب التكوين المهني إنعاش الشغل، حينما أشرفت لسنوات طويلة على تدريس مادتي المونتاج والصوت، إلى جانب اشتغالي في مدارس خاصة وأجنبية كمدربة في تكوين السمعي البصري، بينما

اشتغلت في الوقت نفسه ميدانيًا في عدة مهن داخل المجال، من بينها هندسة الصوت والمونتاج في العديد من الأفلام المغربية، إضافة إلى مهام تقنية أخرى، لأن هذا القطاع يفرض على الممارس أن يكون متعدد المهارات، وقادرًا على فهم الصورة والصوت والإيقاع كوحدة واحدة.

وأؤمن بأن التكوين الحقيقي لا يقتصر على نقل المعرفة التقنية فقط، لانه يقوم على غرس طريقة تفكير مهنية، تجعل المتدرب قادرًا على التأقلم مع متطلبات السوق، وعلى الاستمرار في التعلم، لأن السينما والتلفزيون مجالان متحولان، وعلى الإنسان أن يكون مستعدًا لاكتساب كل ما يصادفه من خبرات داخل هذا المسار.

كيف تعرّفين المونتاج انطلاقًا من تجربتك المهنية؟

هو المرحلة التي يولد فيها الفيلم فعليًا، لأنه ليس فقط تجميع تقني للقطات، وإنما عملية تفكير في الزمن، وفي الإيقاع، وفي علاقة الصورة بالمشاعر، بينما في هذه المرحلة نقرر ما الذي يُرى، ومتى يُرى، وكيف يُستقبل من طرف المشاهد.

ما الذي يوجّه اختياراتك أثناء التوضيب؟

أنطلق دائمًا من فهمي لنية المخرج، ثم من تحليل الشخصيات وتطورها منذ البداية ثم العقدة ثم الحل، لأن المونتاج الجيد لا يفرض إيقاعًا خارجيًا على الفيلم، لأنه يستخرج إيقاعه الداخلي من القصة ومن أداء الممثلين.

كيف تجسد ذلك في فيلم "خربوشة"؟

اشتغلت في "خربوشة"على التعامل مع الذاكرة الشعبية باعتبارها مادة حساسة، فكان من الضروري احترام بعدها التاريخي، وفي الوقت نفسه خلق لغة سينمائية قادرة على جذب المتفرج المعاصر، لذلك جاء المونتاج كحلقة وصل بين الواقعي والملحمي.

ما دور الإيقاع في هذا الفيلم؟

حرصت على خلق إيقاع متوازن بين مشاهد المواجهة والحركة، والمشاهد التي تستعرض الموروث الشعبي مثل العيطة والاحتفالات، لأن هذا التناوب يمنح الفيلم نفسًا دراميًا، ويقربه من ثقافة الجمهور المغربي.

حدثينا عن فيلم "سميرة في الضيعة"؟

ركزت في هذا الفيلم على مقاربة الإحساس بالاختناق والعزلة في ترتيب اللقطات، فكان المونتاج مبنيًا على إبراز ضيق الفضاء، وتكرار بعض الحركات اليومية، والانتقال بين القريب والبعيد لإظهار التناقض بين  الشخصيات والمحيط الاجتماعي القاسي التي تعيشه الشخصية الرئيسية،  كإبراز علاقات القوة داخل البيت، من خلال حضور شخصية "فاروق" وهيمنته، وعجز الزوج، وسكون الأب المقعد، إذ يصبح المونتاج هنا أداة لفهم الصراع دون الحاجة إلى تفسير لفظي مباشر.

ما الذي ميّز تجربتك في حديث اليد والكتان؟

هو فيلم جيد يجمع بين الكوميديا والبعد الاجتماعي، وكان التحدي هو الحفاظ على خفة الإيقاع دون تفريغ الفيلم من معناه، لذلك جاء المونتاج مرنًا، يعتمد على القطع المتبادل، وعلى إيقاع داخلي ينبع من الشخصيات نفسها.

كيف ساعد المونتاج في إيصال رسالة الفيلم؟

ساهم في إبراز طموح الشاب وواقع القرية، وبين الرغبة في الثقافة وغياب البنية الداعمة لها، دون السقوط في المباشرة أو الخطاب الوعظي.

في فيلم "كأس المحبة"، ما الذي اشتغلتِ عليه أساسًا؟

انطلقت من العلاقة بين الصورة والذاكرة المنسية، إذ لعب المونتاج دورًا في الربط بين الماضي والحاضر بطريقة غير تقليدية، عبر القطع البصري والتكرار الرمزي لبعض الصور، عوض الاعتماد على الفلاش باك الكلاسيكي.

كيف خدم ذلك البعد النفسي للشخصيات؟

سمح للمشاهد بأن يعيش تطور  شخصيات تدريجيًا، وأن يكتشف ماضيها السياسي والعاطفي من خلال الصورة والإيقاع المتزن،.

ما أهمية التفاصيل الدقيقة في عمل المونتير؟

حقيقة التفاصيل هي جوهر العمل، لأن اختيار لحظة القطع، أو مدة اللقطة، أو الانتقال بين صوت وصمت، يمكن أن يغير معنى المشهد بالكامل، ويؤثر على تلقي المشاهد للفيلم.

كيف ترين علاقتك بالمخرج أثناء العمل؟

أفضّل العمل مع مخرجين يملكون رؤية واضحة، لأن ذلك يجعل المونتاج استكمالًا للتفكير الفني، وليس محاولة لإنقاذ الفيلم بعد التصوير.

كيف انتقلتِ من الممارسة إلى البحث الأكاديمي؟

جاء هذا الانتقال بشكل طبيعي، لأن الأسئلة التي يطرحها العمل اليومي دفعتني إلى البحث النظري، خاصة في ما يتعلق بالزمن السينمائي والصوت والمونتاج الرمزي.

ما الذي تمثله لكِ تجربة التدريس في معهد التكوين المهني؟

أراها امتدادًا للممارسة، لأنها تسمح بنقل التجربة العملية إلى الطلبة، وتكوين نظرة نقدية لديهم تجاه الصورة، عوض تعليمهم الجانب التقني.

كيف تلخصين رؤيتك لمكانة المونتاج في السينما المغربية؟

 المونتاج عنصر مركزي في صناعة الفيلم، وبدونه لا تتشكل هوية العمل ولا علاقته بالمتفرج، وهو مجال إبداعي يستحق مزيدًا من الاعتراف والبحث.

والدكتورة نجود جداد أستاذة متخصصة في التكوين المهني، تُدرّس مادة التوضيب (المونتاج) والصوت، إلى جانب مواد أخرى ذات صلة بالسمعي البصري والإنتاج السينمائي، وقد أطرت العديد من الورشات الاحترافية في مهرجانات مثل مهرجان السينما الأفريقية بخريبكة وملتقى القصبة للفيلم القصير بورزازات، مساهمة في تكوين أجيال جديدة من المونتيرين والتقنيين.
وقد توجت مسيرتها الأكاديمية بحصولها على درجة الدكتوراه، حينما ناقشت أطروحتها يوم الاثنين الثاني عشر من مايو الفارط أمام لجنة علمية تضم أساتذة بارزين مثل أ.أجبور، ر.نعيم، م.بن جلون، ول.بودوح، وهذا دليل يبرز انتقالها من الممارسة الفنية إلى البحث الأكاديمي العميق في مجال السينما والصوتيات، ويؤكد مكانتها كشخصية مرجعية في التعليم والتكوين السمعي البصري بالمغرب.