أنقرة والدوحة توسّعان نفوذهما عبر شراكة في الوساطات
أنقرة - بحثت أنقرة والدوحة خلال لقاء رسمي عُقد في العاصمة التركية الثلاثاء، سبل تعزيز التعاون الثنائي في مجال الوساطة وحل النزاعات بالطرق السلمية، في خطوة تعكس تنامي الدورين التركي والقطري في ملفات التهدئة الإقليمية والدولية.
وتعاونت تركيا وقطر في السنوات الأخيرة ضمن تحالف معلن تعزز خاصة بعد القطيعة الخليجية التي انتهت لاحقا بمصالحة أعادت الدفء للعلاقات بين الدوحة ومصر والسعودية والامارات والبحرين، في قضايا إقليمية بينها الملفين الإيراني والسوري.
وجمع اللقاء نائب وزير الخارجية التركي محمد كمال بوزاي ووزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية محمد بن عبدالعزيز الخليفي، في اجتماع يأتي في سياق إقليمي ودولي تتزايد فيه الحاجة إلى أدوار دبلوماسية مرنة قادرة على إدارة الأزمات وفتح قنوات الحوار بين الأطراف المتنازعة. ولا يخرج هذا التعاون والعمل على بناء جبهة وساطة بين البلدين عن سياق تعزيز النفوذ الإقليمي لكليهما.
وتكتسب هذه المشاورات أهمية خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، سواء على مستوى الصراعات الممتدة في الشرق الأوسط، أو الأزمات الدولية التي باتت تتطلب وسطاء يتمتعون بمصداقية سياسية وعلاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين.
وتبرز كل من تركيا وقطر كطرفين راكما خلال السنوات الماضية خبرة ملموسة في مجال الوساطة، مستفيدين من شبكة علاقات واسعة وقدرة على التواصل مع أطراف متباينة المصالح والتوجهات خاصة مع التقائهما لفترة طويلة في دعم حركات الإسلام السياسي وبناء شبكة علاقات مميزة مع حركات إسلامية، لكنهما واجها انتقادات واتهامات دولية بريط صلات مع جماعات متطرفة بينها أفرع لتنظيم القاعدة.
وسعت تركيا بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي، إلى لعب أدوار توفيقية في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، مستندة إلى سياسة خارجية تقوم على الجمع بين الدبلوماسية النشطة والانخراط المباشر في القضايا الحساسة. أما قطر، فقد رسخت مكانتها كوسيط موثوق في أزمات معقدة، مستفيدة من سياستها القائمة على الحوار والانفتاح، ومن قدرتها على بناء جسور تواصل مع أطراف يصعب جمعها على طاولة واحدة، فيما شكلت الأزمة الأفغانية نموذجا لواحدة من العلاقات المعقدة.
ويعكس بحث تعزيز التعاون في مجال الوساطة إدراكاً مشتركاً لدى البلدين بأن العمل المشترك يمكن أن يحقق نتائج أكثر فاعلية من الجهود المنفردة، خصوصا في ظل تشابك الأزمات وتعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين، فالتنسيق التركي–القطري في هذا المجال قد يسهم في توحيد المقاربات وتبادل الخبرات، وتطوير آليات مشتركة للتدخل الدبلوماسي الوقائي، بما يحد من تفاقم النزاعات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة.
كما يعكس هذا التقارب توجها أوسع لدى البلدين نحو ترسيخ مفهوم الحلول السلمية كخيار استراتيجي في السياسة الخارجية، في مقابل منطق التصعيد أو إدارة الأزمات بالقوة. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تراجعاً نسبياً لدور المؤسسات متعددة الأطراف، ما يفتح المجال أمام مبادرات إقليمية وثنائية لسد هذا الفراغ.
ويحمل هذا اللقاء رسائل سياسية تتجاوز الإطار الثنائي، مفادها أن أنقرة والدوحة تسعيان إلى تعزيز حضورهما كفاعلين دبلوماسيين مؤثرين، قادرين على الإسهام في استقرار المناطق المضطربة. كما يعكس حرص الجانبين على توظيف علاقاتهما الدولية في خدمة مسارات التهدئة، بما يعزز صورتهما كشريكين موثوقين في جهود إحلال السلام.
ويمكن قراءة المشاورات التركية القطرية حول الوساطة بوصفها خطوة إضافية في مسار بناء شراكة سياسية تتجاوز المصالح التقليدية، لتشمل أدوارا نوعية في إدارة الأزمات. ومع استمرار تعقّد المشهد الإقليمي والدولي، يبدو أن هذا التعاون مرشح للتوسع، ليشكل أحد محاور الحضور الدبلوماسي الفاعل للبلدين في المرحلة المقبلة.